تصميم: يوسف أيمن- المنصة

كيف باعت الدولة أسطورة "البناء العشوائي" للمصريين؟

تشهد مصر حالة من النشاط العمراني والهدم والبناء بشكل متسارع لكن دون مبررات أو شرح وتوضيح، فلا أحد يناقش تلك المشاريع بشكل علني ولا يعرف أحد رأسها من قفاها.

لكن طبعًا نحمد الله أن لدينا رئيس وزراء "بيعرف يتكلم"، كما أن القيادة السياسية تحرص باستمرار على تنظيم المؤتمرات الرئاسية وهى المناسبة الوحيدة التي تُعرض فيها الأرقام والمعلومات على شاشات كبيرة. نشاهد في تلك المؤتمرات مشاريع ضخمة تشرف عليها غالبًا الهيئة الهندسية للقوات المسلحة، لضمان انتظام مواعيد الاستلام وجودة التنفيذ. أثناء هذه المؤتمرات؛ نجد الرئيس السيسي منتبهًا ومقاطعًا المتحدثين بشكل سلس مناقشًا كافة التفاصيل، في مداخلات غرضها كما يقول "حتى يعرف المصريون حجم الجهد المبذول، والأموال التي يتم إنفاقها على الاستثمار والإنشاء".

هذا المقال/ المقاربة هو بالأساس نتاج مناقشات وكتابة مشتركة مع باحث في مجال المياه والعمران، وله الفضل في تعريفي بالكثير من الأبعاد لمسألة البناء والرقعة الزراعية. هذا الباحث واحد من تيار جديد في مجال الدراسات العمرانية ينشط فيه باحثون من جامعات إقليمية ودولية، محاولين تقديم مقاربة للمشاكل البيئية والعمرانية المصرية تختلف عن الطرح المقدم من "خبراء التجمع الخامس" العاملين بشكل مقرب مع السلطة أو مع الأجندات البيئية الدولية. يحاول هذا التيار تقديم خطاب عمراني بيئي مصري ينظر أولًا لمصالح الفلاح والمواطن المصري قبل النظر لمصالح حيوان الفقمة في الشمال الأوروبي.

إنطلاقًا من هذه القناعة المشتركة لن يناقش هذا المقال حلولًا لما تقول الحكومة إنه "مشكلة البناء العشوائي"، فنحن ننطلق من قناعتين: الأولى حق الناس في السكن لا يستحق أن يكون جريمة أو مخالفة، والثانية أن مشكلة الرقعة الزراعية في مصر هي مشكلة مياه بالأساس وليست مشكلة تبوير الأراضي، وسنثبت ذلك بأرقام ودراسات حكومية فقط.

نأمل أن يكون هذا المقال/ المقاربة هو الأول في سلسلة تتناول الشأن العمراني والبيئي هدفها تفنيد الكثير من الأكاذيب عن وضع الرقعة الزراعية والمساحات العمرانية في مصر. ونظرًا لنقص المعلومات المتاحة لا يصبح أمامنا سوى تتبع كلام دولة رئيس الوزراء مصطفى مدبولي والذي نحاول هنا تفنيده وفهمه ومقارنته ببيانات الدولة نفسها. هذه المقاطع مأخوذة من تصريحات للدكتور مدبولي بتاريخ 12 سبتمبر/ أيلول الماضي والتي يمكنك الاستماع إليها في الفيديو التالي:


التصريح الأول لمعالي دولة رئيس الوزراء: "فقدت مصر 400 ألف فدان من 1980 (منهم) 90 ألف فدان من 2011، ومحتاجين نصرف 18 مليار جنيه لتعويض نفس الأرض".

من الوهلة الأولى يلاحظ أى باحث مبتدئ استسهال إطلاق الأرقام بما لا يتناسب مع حجم المشكلة. فمعنى كلام رئيس الوزراء أن المصريين مع مطلع كل سنة مالية يقومون بتبوير 10 آلاف فدان بالتمام والكمال، حتى نصل إلى الرقم الذي أطلقه رئيس الوزراء الـ 400 ألف فدان. وحتى مع الفوضى المصاحبة لـ"أحداث يناير"؛ التزم المصريون بتبوير الـ 10 آلاف فدان السنوية.

بعد توجيه التحيّة للشعب المصري على التزامه بالحصة السنوية لتبوير الأراضي الزراعية؛ لاحظنا أن مدبولي يقول إن تعويض نفس الأرض يحتاج إلى 18 مليار جنيه، مستخدمًا الحد الأقصى لاستصلاح الفدان (200 ألف جنيه) حتى يصبح الرقم النهائي المقفول يساوي 18 مليار جنيه، أكثر بقليل من مليار دولار، يعتبرها رئيس الوزراء خسائر مزعومة.

الحقيقة أنه لا توجد خسائر؛ وإن وجدت فلا تصل لهذه الأرقام. أولًا حسبة رئيس الوزراء لا تشمل أن تبوير تلك الأراضي وفّر المنزل والمأوى لملايين المصريين دون أى تدخل من الدولة، فمعظم مَن بنى على تلك الأراضي أجبر على دفع "تبرعات" للمحافظات لتوصيل المرافق، ودفَعَ مخالفات مضاعفة، وتحمّل تكاليف توصيل الخدمات الأساسية لمسكنه. كل هذه أموال وتكاليف تحملها المصريون ودفعوها للحكومة بشكل مباشر، إلى جانب طبعًا "المصارف غير الرسمية" أو الرشاوى التي تدفع لموظفي هذه الحكومة.

ولربما إذا اتيحت لنا سجلات وملفات الدولة الحقيقة قد نجد أن ما حدث لم يأت بخسائر على الدولة، بل ربما بأرباح. لكن حتى إذا افترضنا صحة كلام دولة رئيس الوزراء وأن ما حدث في 40 عامًا كلّف الدولة مليار دولار من الخسائر، فهل هذا رقم كبير مقابل توفير السكن والمأوى لملايين المصريين في القرى والمناطق الريفية الذين تخلت عنهم الدولة في خططها التنموية ومشاريعها السكنية الجديدة؟

2-التصريح الثاني: يقول فيه معالي دولة رئيس الوزراء "منذ 2011 سجلت الحكومة مليونَي مخالفة على مساحة ما يقرب من 90 ألف فدان".

استكمالًا لدرس الرياضيات المبسّط، فعدد المخالفات بحسب رئيس الوزراء 2 مليون مخالفة، عرفنا تكلفتها من التصريح السابق وهو 18 مليار جنيه، بمعنى أن كل مخالفة تكلف الدولة 9 آلاف جنيه ( 570 دولارًا) لاستصلاح أرض مماثلة، وبفرض أن معظم المخالفات مرتبطة بتبوير أراض زراعية في القرى أو على أطراف المدن؛ يعني لو دفع كل مخالف 9 آلاف جنيه فقط ستحل المشكلة وتعوّض الدولة الـ 18 مليار جنيه الخسائر المزعومة التي يدّعي الدكتور مدبولي خسارتها.

ولذلك فإن هذا وقت الأسئلة المنطقية: على أى أساس تصدر الدولة المخالفات الحالية، والتي تتجاوز بالتأكيد 9 آلاف جنيه للمخالفة الواحدة؟ وهل الفلاحون المصريون (ربع القوة العاملة فى مصر الذين يصل عدد أصحاب الحيازات منهم 5.7 مليون فلاح، بينما يقدرهم نقيب الفلاحين بأكثر من 50 مليون مواطن ويشمل الرقم أسرهم) خلقوا ليحققوا أقل من 1000 جنيه شهريًا قيمة إيرادات محاصيل الفدان الزراعي سنويًا؟ وهل يعرف رئيس الوزراء أو أي مسؤول في هذه الحكومة أن متوسط إيجار الفدان فى الوادى القديم 10 آلاف جنيه في السنة بعد زيادتها مع التعويم؟ وهل يعرف أن أقصى مبلغ يتمكن الفلاح من تحقيقه لو كان هو نفسه مالك الأرض ولا يدفع إيجارًا لأحد لا يتجاوز 20 ألف جنيه صافي ربح سنوي، بعد تعليق العمل بضريبة الأطيان الزراعية حاليًا؟

إذن كيف يمكن إقناع فلاح يملك فدانًا زراعيًا يبلغ ثمنه الزراعي مليون جنيه (متوسط سعر الفدان، 4200 متر، في وسط الدلتا)، ويصل السعر إلى 20 مليون حال تبويره، أن يرضى بأقل من 2000 جنيه كمكسب في الشهر، ولماذا يُحكم على هذا الفلاح بالشقاء في الأرض مقابل ملاليم، بينما بإمكانه بيع جزء من الأرض والبناء على جزء آخر وزراعة جزء ثالث.

نعرف أن للأمر أبعادًا أكثر تعقيدًا؛ فالتكلفة ليست استبدال أرض بأرض فقط، ولكن تشمل كذلك توصيل الخدمات لتجمعات سكنية قليلة الكثافة بتكلفة كبيرة كما قال الدكتور مدبولي. لكن هل يمكن أن نستأذنه ليقارن لنا تكلفة توصيل المرافق لتجمعات الفلاحين السكنية بتكلفة توصيل نفس المرافق للتجمعات العمرانية منخفضة الكثافة في المدن الصحراوية الجديدة، تلك التي تصدرّها دولته كواجهة مصر الخارجية وتعتبرها مشاريع قومية يجب أن يضحي الجميع لأجلها.

لمعرفة تكلفة خلق تجمعات منخفضة الكثافة في المدن الصحراوية يمكننا قراءة دراسة لمؤسسة تضامن تكشف أن هذه المدن الجديدة التي بدأت من ورقة أكتوبر عام 1974 وتبعها مدن الأجيال الأول والثاني والثالث؛ حققت حتي الآن من خُمس إلى سُدس عدد السكان المحدد (المستهدَف) لكل مدينة. وتخلص الدراسة الصادرة عام 2016 إلى أن "الإنفاق على المدن الجديدة يساوي أكثر من ضعف الإنفاق على التعليم والصحة. ومع ذلك استمرت الزيادة فى الإنفاق على هذه المدن الصحراوية بشكل لا يتناسب مع الأعداد المنتقلة إليها".

لذلك نرجو من معالي دولة رئيس الوزراء عرض قصص النجاح في هدم مساكن المواطنين في الوادي القديم، ومقارنتها بالإنفاق على المدن الصحراوية الجديدة التي تحمي صورة مصر في الخارج. وبافتراض تساوي المصريين في الحقوق؛ نرجو من معاليه أيضًا الإفصاح عن تكلفة الخدمات التي تقدمها الدولة لمواطني المدن الجديدة ومقارنتها بالخسارة الهائلة التي تتكبدها الدولة عندما يبني الفلاح على جزء من أرضه الزراعية.

3-التصريح الثالث: يأتي مصاحبًا لعرض بالصورة لتجمع سكنى ريفي (عزبة) نشأت بسبب حاجة الفلاحين إلى المأوى. يقول معالي دولة رئيس الوزراء "حضراتكم علشان نوصّل لهم مياه هنا، وارد إن إحنا نعمل ما يطلق عليه الرافع، علشان أرفع المياه من منسوب لمنسوب. الرافع دا علشان أعمله ممكن يكون محتاج نص فدان، هاعمله فين؟ هانزع ملكية أرض زراعية تانية علشان أعمل خدمة للكتلة السكنية المخالفة أصلًا".

يتحدث رئيس الوزراء عن مشكلة رفع المياه فى أراضي منبسطة في قرى الدلتا. وبغض النظر عن تعامل معاليه باستهانة مع الاحتياجات الأساسية لـ 400 أسرة على أقل تقدير، وأنهم قد يحتاجون لرفع المياه لاختلاف المناسيب لسنتيمترات قليلة، فإنه يغفل أن مشكلة الرقعة الزراعية في مصر ليست مشكلة أراضي بل مشكلة مياه.

هذه المياه هي ما يتم سحبها لري المدن الجديدة على حساب حصة المياه المخصصة للفلاحين. يتأفف رئيس الوزراء من مطالبة "سكان العزب" بالخدمات الأساسية التي ستجبرهم الحكومة في النهاية على تحمل تكلفة توصيلها بالمناسبة، بينما في بعض المشاريع المرتفعة عن سطح البحر كمدينة هضبة الجلالة مثلًا، تفتخر الدولة على موقع مشروعاتها القومية نفسه بأنها ستتحمل تكلفة تحلية المياه ورفعها هي وباقي الخدمات عشرات الأمتار لريّ المنتجعات والمساحات الخضراء غير المُنتجة للغذاء. نعرف من إعلانات الفنانة يسرا والموسيقار عمرو مصطفى عن مدينة الجلالة أن المساحات الخضراء هي أفدنة من النجيلة فوق هضبة صحراوية، بل إن بعض المشاريع مثل العاصمة الإدارية الجديدة، يفترض أن تستقبل نصف مليار متر مكعب سنويًا من مياه النيل لاستخدامها هناك.

فأين مصدر الخطر على الرقعة الزراعية إذن؟ هل هو الفلاح الذي يلجأ لتبوير جزء من أرضه وبيعها بسبب الضغوط المالية التي تضعها الحكومة على كاهله؟ أم الحكومة نفسها التي تستحوذ على حصص المياه المخصصة للزراعة لترميها في نجيلة الصحراء؟

4-التصريح الرابع يقول فيه معالي رئيس الوزراء "عايزين نقفل الموضوع ده. بعد التصالح العقار وهو مخالف قيمته عند التصالح ستتضاعف بـ 2 أو 3، وأنا مش باستجدي أموال أنا بأقنن الأوضاع".

يعد دولة رئيس الوزراء السادة المواطنين بصفقة رابحة مع الحكومة، يتخلص فيها المالك من "الزن كل شوية وفتح الباب أمام الممارسات غير القانونية " من موظفي المحليات، عبر دفع قيمة تصالح للدولة تُترجَم بزيادة قيمة العقار أضعاف قيمته الحالية. بل يفتح ذلك فرصًا غير محدودة للقروض بضمان الوحدات وميزات أخرى في المرافق وفرص للتعلية وخلافه. طبعًا التصريح مرتبط بالمدن أكثر من القرى حيث المنازل غالبا عائلية، لأن "الحيتان" معظمهم فى المدن.

إذا صدقت تصريحات رئيس الوزراء، فالنتيجة أن الشقق متوسطة المساحة المخالفة والتي تباع الآن بمبالغ تتراوح من نصف مليون إلى مليون جنيه سيتضاعف سعرها في إطار "صفقة الكل رابح" الحكومية، مما يضع الشباب خصوصًا في المحافظات والقرى أمام تحدٍ جديد إذا فكر أحدهم في الزواج وشراء شقة، وبالمثل ستتضاعف أسعار إيجارات الشقق. طبعًا هناك رابح من الصفقة الحكومية وهم "الحيتان الكبار" بينما سيأخذ المستأجر الشاب قلمًا جديدًا على قفاه، ويجد أن عليه دفع فاتورة "تقنين الأوضاع" للشقة التي يقيم فيها ويدفع للحكومة عنها الكهرباء والمياه وباقي الخدمات.

على ذكر الحيتان؛ ذكر رئيس الوزراء أنه حدثت تفاهمات مع هؤلاء الحيتان بعد التحقيق معهم فى النيابة العسكرية ومنهم من دفع غرامات تصل إلى 200 مليون جنيه. هل من الممكن لإضفاء مزيد من الشفافية أن يعلن عن أسمائهم لنرى هل ينتمي الحيتان لفصائل بعينها في مؤسسات الدولة المصرية أم أن الاستهداف كان عموميًا ويساوي بين الجميع؟

تصميم: يوسف أيمن- المنصة

5-التصريح الخامس لمعالي رئيس الوزراء يقول فيه "الأراضى الزراعية بتأكّل 100 مليون مصري، وخلال عشرة عشرين سنة على الأكثر هايكون وارد نصل إلى مشكلة حقيقية إننا نلاقي أكلنا".

بكل تأكيد يندرج هذا التصريح تحت بند بث الشائعات، وهو كلام مرسل يخالف الدراسات الرسمية. لو افترضنا أن الأراضي الزراعية التي يتحدث عنها سيادة رئيس الوزراء هي دلتا مصر فقط، فالمفاجأة أن الهيئة القومية للاستشعار عن بُعد المصرية نشرت هذا العام حصرًا للأراضي الزراعية في الدلتا، الأرقام الواردة في المصدر السابق بالهكتار، ويمكنك تحويلها بسهولة لفدان، وهو ما استخدمناه هنا للتبسيط. الباحثون في هذه الدراسة لاحظوا التالي:

- زاد العمران من 305 ألف فدان عام 1987 إلى أكثر من 416 ألف فدان عام 2000 في الدلتا وحدها، ثم جاءت أكبر زيادة من عام 2000 إلى 2015 ليرتفع الرقم إلى أكثر من 628 ألف فدان. مما يعني أن أرقام رئيس الوزراء عن الـ 400 ألف فدان صحيحة بشكل نسبي.

- في مقابل هذه الزيادة في التبوير؛ زادت الرقعة الزراعية من 4 ملايين و311 ألف فدان سنة 1987 إلى 4 ملايين و986 ألف فدان سنة 2000، ثم استمر الفلاحون في الاستصلاح وزيادة الرقعة الزراعية من عام 2000 إلى 2015 ليصبح الرقم 5 ملايين و375 ألف فدان.

معنى ما سبق أنه في مقابل الـ 400 ألف فدان زراعي التي فقدناها منذ 1987 فهناك زيادة إجمالية أكثر من مليون فدان حتى عام 2015.

هذه الأرقام المنشورة من قبل باحثين رسميين وفي هيئة حكومية مصرية تعني أن الـ 400 ألف فدان رقعة زراعية التي تحدث عنها رئيس الوزراء تم تعويضها بزيادة الرقعة الزراعية، ويمكن تجاوز هذا الرقم في حال توفير المياه للفلاحين لأن هذه هي مشكلتهم الوحيدة بحسب الأرقام الرسمية، كل هذا دون حساب المشاريع الزراعية الكبرى خارج الدلتا.

فعن أي رقعة زراعية مهددَة يتحدث معالي رئيس الوزراء؟

تؤكد الأرقام الرسمية المتاحة أن الرقعة الزراعية في مصر والتي تبلغ حوالى 10 ملايين فدان في ازدياد مستمر، وحسب أرقام الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء فبين عامي 2015 و2017 زادت الرقعة الزراعية 200 ألف فدان .

طبعًا لا يتم نسب هذا الانجاز إلى الفلاحين المصريين ولا شكرهم عليه، بل تطلق عليهم الحكومة "درونز" ليشاهد السيد رئيس الوزراء منازلهم من أعلى ويعرضها في المؤتمرات كنموذج للعشوائية والكائنات الطفيلية الشريرة التي تحاربها الدولة المستنيرة من أجل حماية الزراعة والرقعة الزراعية.

حقيقية الأمر أن فلاحي مصر عمومًا وفلاحي الدلتا بشكل خاص؛ هم مَن يتحمل عبء إطعام المائة مليون مصري، وفي آخر أربعين عامًا بأيديهم وعرقهم ضاعفوا الرقعة الزراعية في الدلتا بنسب مهولة، وبأموالهم القليلة من الزراعة بنوا البيوت المخالفة بجوار أراضيهم، وأنشأوا الملاعب الرياضية المخالفة لأبنائهم، وقاعات الأفراح غير المرخصة، وتحملوا تكلفة توصيل الخدمات والمرافق كل هذا دون أن تمد الحكومة يدها إليهم، بل تتركهم أحيانًا يغرقون في طرنشات الصرف الصحي وهي الآن تلومهم على ذلك وتطالبهم بمبالغ ضخمة للتصالح.

هذا المشهد يدور وفي خلفيته جوقة من الصحفيين والإعلاميين وخبراء "التجمع الخامس" يصفقون لعظمة الإنجاز وشجاعة الإقدام على التصدي لمشكلة البناء العشوائي، ويمصمصون الشفاة وهم يشاهدون منازل الفلاحين وسط أراضيهم ويتهمونهم بالجهل والعشوائية وتخريب الرقعة الزراعية، فأي وقاحة تلك.