تصميم: يوسف أيمن- المنصة

أن تكوني أمًا مريضة بالسرطان في مصر

بدأت رحلتي مع اكتشاف وعلاج سرطان الثدي في 2017 كان وقتها أولادي في سن العاشرة والسابعة. صعب تلخيص فترة زي دي من حياتنا، خاصة أن المصائب لا تأتي فرادى، زى ما بيقولوا، وإن كانت الخبرات اللي من النوع ده هي دروس في الحياة وليها معاني عميقة.

الأدوار المختلفة اللي الواحد بيختارها أو بتتفرض عليه، زي إن الإنسانة تكون إمراة وزوجة وأمًا عاملة وابنة وصديقة ومريضة بتتفلتر في الأوقات الصعبة دي وبيرجع الواحد للأصل. أنا وقت ما عييت كنت في عز تجربة مهنية جديدة: التدريس اللي كنت كرست له آخر أربع سنين وقت وطاقة ومجهود. فترة العلاج كانت هي الفترة اللي سمحت لي آخد الوقت إني أشوف نفسي أولًا وأتعلم دور الأم الحقيقي وأفتح قلبي لكل الحب اللي اتحاوطنا بيه.

بعد شهرين كاملين من إحساسي بوجود ورم في صدري، وده بيوّري قد إيه إحساسي بنفسي كان في الحضيض، عملت أول كشف طبي عند دكتورة نسا وتوليد، كتبت لي على ماموجرافي وأشعة على الصدر والبطن والحوض.

رحلات مكوكية بين عمل الأشعات واستلام التقارير، ثم زيارة الجراح وعمل عينة ثم تحليلها ثم استلام التقارير، ثم زيارة لجراح آخر، ثم أخذ عينة من الثدي الآخر ثم تحليلها. ومن جراح أورام ومناظير، لجراح أورام تخصص ثدي، لمركز أورام مشهور، لدكتور أورام، ومن مركز أشعات لمعامل تحاليل.. .

كلام كتير وساعات متناقض، بلغة طبيّة عصية على الفهم لغير المتخصصين، لغة مقتضبة وغامضة إن لم تكن لغة باردة أو قاسية في بعض الأحيان، ومنطق طبي في غاية العنف والمحدودية: "إحنا هانحجّمه بالكيماوي وبعدين نشيل كل الورم واللي حواليه، وبعدين إشعاعي في المنطقة المصابة جنب القلب، وبعدين هنوقف هرمون الإستروجين (لان نوع السرطان اللي عندى حساس للهرمون دا) بعلاج هرموني لمدة عشر سنين وكله هايبقى تمام إن شاء الله، بس برضه فيه نسب من المرضى بيرجع لهم السرطان تاني أو بينتشر في الجسم. وطبعًا فيه أعراض جانبية بس كله يهون في سبيل العلاج".

اختراق الجسد الداخلي من المرض، والخارجي من العلاج، كان عنيفًا بشكل لا يصدّق وبيمثل امتداد لاختراق واستباحة الجسد والنفس اللي بنتعرض له في البلد اللي إحنا عايشين فيها. "العلاج" بره مش أقل عنفًا؛ بس في أوروبا والدول المتقدمة، على رأي أستاذ مدحت في فيلم الإرهاب والكباب، النظام الصحي قديم ومترسخ، وفيه نظم بتحدد حقوق المرضى ومبادرات كتير من المجتمع المدني لعمل مانيوال للمرضى والأسرة، وشرح مبسط لما هو السرطان وطرق العلاج والأعراض الجانبية وطرق التغلب عليها، والشق النفسي وكيفية التعامل مع الأطفال وجمعيات أهلية ومجموعات دعم نفسي.. إلخ.

وعلشان إحنا في مصر؛ فترة التشخيص ولغاية الوصول لقرار العلاج أو البروتوكول بتكون فترة صعبة: عدم التصديق، والاحساس بالخطر والخوف والغضب. وبالإضافة لكل ده كمان الواحد مش فاهم خالص هو داخل على إيه.. إيه هو السرطان ده أصلًا؟

من أولى النصائح اللي أعطتها لي الصديقة طبيبة الأورام هي: خدي الحاجات واحدة واحدة، ما تكربسيش المشاكل على بعض.

النصيحة التانية هي إننا، أنا وزوجي، لازم نتكلم مع الأولاد في إيه اللي بيحصل، ونجهزهم بالراحة على فهم إيه اللي إحنا هنواجهه مع بعض.

قلنا الحقيقة للولاد بالشكل دا: ده مرض صعب وعلاجه مش لطيف بس أنا مع دكاترة شاطرين والعلاج ده له نتايج مثبتة وأنا وبابا هانعمل كل حاجة علشان نبقى كويسين.

لحظي السعيد ساعدتني صديقة طبيبة أورام تعمل بالخارج في إعدادي نفسيًا بشرح مدة ومراحل العلاج، وساعدتني صديقات طبيبات في شرح ما غمض من كلام الأطباء خلال مراحل العلاج المختلفة.

كانت من أولى النصائح اللي أعطتها لي الصديقة طبيبة الأورام هي: خدي الحاجات واحدة واحدة، ما تكربسيش المشاكل على بعض. نصيحة ساعدتني أقلل التوتر والخوف من المستقبل الغامض وأحصر طاقتي في تخطي كل مرحلة بشكل منفصل. النصيحة التانية واللي ما تقلش أهمية هي إننا، أنا وزوجي، لازم نتكلم مع الأولاد في إيه اللي بيحصل، ونجهزهم بالراحة على فهم إيه اللي إحنا هنواجهه مع بعض. قريت وقتها بعض النصائح الموجودة على الإنترنت واللي بتشرح إن الأطفال بيحسوا بكل حاجة بيمر بيها الأهل زي عدم الاتفاق والتوتر والخوف، زي ما بيحسوا بالحب والسعادة والأمان بين الأب والأم، وإنه لازم نتكلم معاهم ونشاركهم في حدود سنهم وقدرتهم على التحليل والفهم اللي بيحصل لإنهم لو مش فاهمين ممكن يتكوّن عندهم إحساس بالذنب والمسؤولية عن تعاسة الكبار وأحاسيس خوف ووحده، زينا بالظبط.

البحر

بعد تحديد البروتوكول المتفق عليه لحالتي وقبل بدء العلاج قررت آخد العيال وأطلع البحر 3 أيام. البعد عن المدينة والتوتر ومواعيد الدكاترة والقلق كان أهم حاجة عملتها لنفسي. بحر ولعب وصيد وغروب وتمشية كانوا كفيلين إنهم يرجعوني لنفسي ويدوني شوية هدوء وقوة لمواجة المرحلة اللي جاية، واحدة واحدة.

ميزة السرطان، لو نقدر نشوف أي حاجة بتحصل لنا فيها جوانب إيجابية، إن الواحد حس كأن عليه حكم نهائي احتمال يتنفذ، وإن أحسن حاجة يعملها إنه يلاقي الطريقة اللي يعيش بيها الوقت المتاح ليه بأفضل شكل ممكن زي إنه ينبسط مع عياله وأحبابه وأصحابه، وياخد الوقت الضروري لنفسه لما يحس إنه محتاج، ويحس بالامتنان لكل لحظة بيعيشها. يعني بالمختصر السرطان فكرني بالحياة.

ورجعنا من البحر.

واحدة واحدة اتكلمنا مع العيال. وطبعا كان الكلام عن الموت حاضر، وكان حاضر الخوف والقلق وعدم الفهم. بس الاختيار كان واضح. إحنا هانقول لهم الحقيقة: ده مرض صعب وعلاجه مش لطيف بس أنا مع دكاترة شاطرين والعلاج ده له نتايج مثبتة وأنا وبابا هنعمل كل حاجة علشان نبقى كويسين.

الرحلة

مع بداية رحلة العلاج، كنا بس بنرد على الأسئلة اللي عندهم، وبنحاول نبعت لهم رسائل مطمئنة، ودايما بناخد أحضان. كان كل الكلام ده متغلف بحب واحتضان وبشكل أساسي بعيد عن الدراما بفضل زوجي الجميل اللي بيقدر يحول لحظات صعبة إلى ضحكة وبسمة حقيقيين بيدفوا القلب.

الحب والرفق والمساندة والتكاتف والدعم اللي حاوطونا طول الوقت من أصحاب الروح والعائلة كانوا أكتر حاجة حسستنا كلنا بالأمان. وخبرة الأولاد في ظل رعاية العمة الجميلة والجدة، وخبرتهم في "إجازة" مع الأصحاب وقت العملية، وإحساسنا إننا مش لوحدنا وإن وجود أقرب الناس إلى قلبي حوالينا ومعانا في مراحل مختلفة؛ كل دا كان نعمة.

كنت من البداية قررت إني هانفذ بروتوكول "العلاج" بس هادور على كل وأي حاجة في الطرق غير التقليدية اللي ممكن تساعدني أتغلب على الأعراض الجانبية للعلاج والأهم اللي تخليني أحافظ على صحتي النفسية والجسدية والروحية. عملت رياضة مشي يوميًا وغيّرت عاداتي الغذائية : أكل متوازن ومايه كتير مع إلغاء السكر والألبان، وعملت جلسات طاقة وعلاج نفسي.

العلاج الكيماوي بدأ، وبدأت معاه الأعراض: وقوع الشعر والإرهاق والترجيع ونقص المناعة، ودي أعراض ما بتستخباش. عرّفتني من البداية صديقة عزيزة على مجموعة من تمارين الـ جين شين جيوتسو، الخاصة بمرضى السرطان، ودي ساعدتني أتغلب على الأعراض الجانبية للعلاج بشكل كبير بس الاهم كمان انها ساعدتنى أهضم كل اللى بيحصللى على المستوى النفسى والمشاعر. والتمارين دي كنت بأشرك فيها الأولاد وجوزي قبل أو بعد الجلسات. إحساس إني أقدر أساعد نفسي وإحساس أولادى إنهم بيساعدوني كان فوق الوصف.

البس قناع الأوكسجين

قلق أولادنا من اختفائنا من حياتهم موجود وهيفضل موجود، زي بالظبط قلقي إني أفقدهم. وعلشان سنهم الصغير وتوالي الكوارث الصحية فى العائلة، طلبت من هوميوباث* تساعدهم "يهضموا" شوية الصدمات اللي عاشوها في السن الصغير ده. بالإضافة لده بأستخدم معاهم نفس الأدوات اللي استخدمتها في علاجي لمشاعر الخوف والقلق والغضب والحزن والتواري عن نفسهم، وعلشان تديهم مناعة نفسية بشكل عام.

تعليمات الأمان عند ركوب الطائرة تذكرك بأهميتك وأولويتك في الحياة: البس الأول قناع الأوكسجين بتاعك قبل ما تساعد اللي جنبك، واتاكد إنك عارف تتنفس كويس الأول قبل ما تجري تنقذ حد تاني. وده كان من الدروس اللي اتعلمتها مع الوقت، إني لازم آخد بالي من نفسي الأول بدون ما يكون دا أنانية، ولما باعمل ده بأقدر آخد بالي من عيالي أحسن.

وعلشان كان صعب أو مستحيل ألاقي مصادر بالعربي قررت أعمل ورقة للتوزيع وثّقت فيها الحاجات اللي فهمتها من رحلتي وحاولت أعمل خريطة لعلاج السرطان فى مصر وطرق التغلب على الأعراض الجانبية للعلاجات. الورقة دي اتحولت لموقع اسمه السرطان في مصر كان مناسب أكتر إني أحط فيه معلومات ومصادر أكتر، لو تحبوا تزوروه: http://cancerinegypt.ovh

اقرأ أيضًا: مقال يارا سلام عن رحلتها مع السرطان


*هوميوباثي homeopathy: نوع من أنواع الطب البديل القائم على استخدام مستخلصات من الطبيعة بتعالج الجسم والروح. تقدري تتعرفي عنه أكتر في كتاب اسمه: شفاء المستحيل، Impossible cure, Amy Lansky