تصميم: يوسف أيمن- المنصة

رائحة الكراهية: ماذا تعلمت عندما هبطت الطائرة في السعودية؟

قال لي زميلي البنغالي "مستر ياسر، ليش إنت إجلس مع هذا نفر هندي؟ هذا ما في زين. باد سميل". كنت قد تمرست على فهم الطريقة التي يتحدث بها كثير من الآسيويين اللغة العربية، ففهمت أنه يريد أن يقول "سيد ياسر، لماذا تجلس مع هذا الشخص الهندي؟ هذا سيئ، ورائحته سيئة". أما زميلي الهندي فقال لي "مستر ياسر، ليش إنت إجلس مع هذا نفر بنغالي؟ هذا ما في زين. باد سميل". وكان غريبًا أنني لا أشم تلك الرائحة السيئة التي يشمها كلاهما في الآخر، لكن الأكثر غرابة أن أيًا من الاثنين لم يعلق التعليق نفسه على جلوسي مع زميلنا الفلبيني.

كانت تلك رائحة الكراهية، على ما يبدو.

عشت في السعودية لمدة خمس سنوات متواصلة، لكن تجربتي هناك تخالف توقعاتك تمامًا. يمكنني أن أحدثك لساعات عن الجوانب الإيجابية الكثيرة التي عشتها في تلك السنوات، ولن تكفيني أيام للحديث عن أصدقاء سعوديين جعلوا حياتي سهلة وطبيعية في بلد لا يبدو سهلًا ولا طبيعيًا لمن لم يسعفه الحظ بأصدقاء كأصدقائي. قد تضللك الصورة النمطية عن السعودية، كما حدث معي عندما صعدت إلى الطائرة المتوجهة إلى مطار الظهران، وتخيلت أنها ستهبط في الصحراء بين الرمال، وأنني سأودّع اللون الأخضر الذي اعتدت عليه في وادي النيل إلى أن أعود في إجازة قريبة. ولكن الطائرة هبطت في مطار من طراز معماري حديث، خرجت منه لتصدمني شوارع نظيفة مليئة بالأشجار على الجانبين وفي المنتصف، وبيوت محاطة بحدائق، عالية أشجارها ومثمرة. سيخالف كل شيء توقعاتي بدءًا من تلك اللحظة، وسأتعلم ألا أصدر أحكامًا سابقة، وألا أستسلم لصورة نمطية في ذهني، حتى لو رأيت ما يدل عليها أو يؤكدها.

تشكل الصور النمطية الكثير من أفكارنا حول الآخرين في حياتنا. يبدأ الأمر مبكرًا، ربما في طفولتك، إذ ترث ما يصورونه لك باعتباره خبرة اكتسبها الكبار، ونقلوها إليك، عازمين على أن يوفروا عليك مشقة المعرفة بالتجربة وقسوتها. أنت، مثلًا، ولدت مسلمًا، ونشأت مسلمًا، على خلاف جارك الذي ولد مسيحيًا ونشأ مسيحيًا. وكلاكما يعتقد، بحكم الجيرة وألعاب الطفولة المشتركة ربما، أنه يعرف الآخر. لكن كليكما، في حقيقة الأمر، لا يعرف إلا ما تسمح له الجماعة البشرية التي ينتمي إليها الآخر بأن تعرفه، ولا يصدق إلا ما تخبره جماعته التي ينتمي، هو نفسه، إليها عن الآخر الذي يعتقد أنه يعرفه. تلك المعرفة الموروثة هي المعرفة السهلة التي نقع في فخها، فتتشكل من خلالها تصوراتنا عن الآخرين وعلاقاتنا بهم.

كانت الحياة في السعودية، بالنسبة لي، نافذة على معارف لم يكن لي أن أنالها أو أقترب منها لولا وجودي هناك. كنت أحمل على رأسي، لسنوات، ما يمكن أن أصفه الآن بأنه ثقافة قومية مركزية تؤمن بذاتها. تعترف بوجود ثقافات أخرى متعددة، لكنها تعتبر أنها قد لا تدانيها ولن تتفوق عليها حتمًا بحكم الثقل التاريخي أو العمق الحضاري. ولكن هذه القناعة اهتزت قليلًا عندما فاجأتني الطائرة بأنها لم تهبط على الرمال، قبل أن يجعلني التعرف على ثقافات أخرى متنوعة أكثر تواضعًا عند تقديري لذاتي وللثقافة التي أنتمي إليها.

أتيح لي، خلال عملي في السعودية، أن أتعرف على هنود وفلبينيين وبنغاليين وبشر آخرين من جنسيات أخرى، بالإضافة إلى زملاء من جنسيات عربية مختلفة. لا يحظى الآسيويون عمومًا في السعودية بمكانة اجتماعية كبيرة، مقارنة بالعرب الذين لا يحظون بمكانة السعوديين طبعًا. وليس السعوديون سواء، فهناك فوارق طبقية وطائفية وقبلية تحكم تعاملات الجميع، وتحدد سلوكياتهم. وفي مناخ كهذا، من السهل وضع البشر داخل مكعبات على مقاس انتماءاتهم، ومن السهل كذلك أن تتعرف على فيروس الكراهية الذي ربما مر بجوارك كثيرا في حياتك، لكنه لم يلفت نظرك من قبل.

قضيت طفولتي في الصعيد، حيث تتجاور بيوت المسلمين والمسيحيين، وتتلاصق جدرانها، في حين تتضاءل معرفة كل طرف بثقافة الآخر، على خلاف ما يحاول كل الأطراف أن يظهروا. وكطفل ينتمي إلى عائلة مسلمة، سمعت الكثير من الأساطير عن حياة المسيحيين ديانتهم وثقافتهم، وظني أن الأطفال المسيحيين لديهم أساطير مشابهة عن حياة المسلمين وديانتهم وثقافتهم. وربما لن يفاجئك ذكر بعض هذه الأساطير، مثل أن المسيحيين يتبادلون القبلات في قداس رأس السنة، أو أن الكاهن هو الذي يفض عذرية العروس ليلة زفافها. ويمكنك القياس على مثل هذه السخافات، التي كنا جميعا نصدقها كأننا شهدناها بأنفسنا، ونتعامل معها بوصفها حقيقة لا تقبل التشكيك أو النقاش. وكان جدي لأمي، على طيبته ورقته وسماحته، يعود إلى البيت ولا يكمل مشواره إذا ما صادف في طريقه رجل دين مسيحيًا، مرتديا زيه الديني. وعرفت أقارب وأصدقاء لا يأكلون في بيوت المسيحيين ولا يشربون في موقف مشابه لموقف الهندي من رائحة البنغالي، والبنغالي من رائحة الهندي.

تنمو الصور النمطية على أسس من معرفة زائفة، أو مزيفة، وتكبر حتى تصبح فكرة أقرب إلى اليقين. لم يفكر زميلي البنغالي في الاقتراب من زميلنا الهندي، ولا فعل الهندي ذلك، إذ يمتلك الإثنان يقينا حول رائحة الآخر. والأمر نفسه بين كثير من المسيحيين وكثير من المسلمين الذين يمتلك كل منهم تصورًا خاطئًا عن الآخر وثقافته. كان لدى أبي أصدقاء مسيحيون كثيرون، رجالًا ونساء، ولولاه لسقطت في فخ هذه الصور النمطية، ولولاه لشممت رائحة الكراهية.