مبارك وكلينتون في شرم الشيخ عام 2009 - الصورة: وزارة الخارجية الأمريكية - فليكر

إيميلات هيلاري كلينتون: نسخة مصرية للجيب

منذ عام 2014 تحتل وزيرة الخارجية الأمريكية السابقة هيلاري كلينتون مكانة خاصة لدى المهتمين بالشأن السياسي في مصر، فهي صاحبة المذكرات المليئة بالمؤامرات والدسائس المنسوبة إليها والتي تشبه إلى حدٍّ بعيد الروايات الخيالية المنسوجة على غرار سلاسل رجل المستحيل والمغامرين الخمسة وغيرهما.

ورغم أن مذكراتها التي تحمل اسم خيارات صعبة متوفرة للبيع في القاهرة، إلا أن وقائعها الأشهر هي تلك المقتطفات التي تنسب إليها في وسائل الإعلام الرسمية أو عبر صفحات فيسبوك، ويقف وراءها خيال قارئٍ يحترف كتابة روايات الجيب المصرية الشهيرة.

خلال الأسبوعين الماضيين؛ وضمن محاولته اليائسة للهجوم على منافسيه الديمقراطيين، ذكّر الرئيس الأمريكي دونالد ترامب الناخبين بأن "فضيحة" استخدام هيلاري لإيميلها الشخصي وهي تتولى حقيبة الخارجية تشير إلى إهمال الديمقراطيين في الحفاظ على الأمن القومي، وقرر رفع السرية عن آلاف الإيميلات التي كانت هيلاري أرسلتها أو استقبلتها أو اطلعت عليها. ومن أجل المزيد من الشفافية، نشرت "إيميلات هيلاري" على موقع وزارة الخارجية الأمريكية.

وسائل الإعلام العربية والمصرية قررت أن تسمّي خطوة ترامب بأنها "تسريبات إيميلات هيلاري"، وانخرطت بعضها في عرض مقتطفات من هذه الرسائل، إما ملفقة أو منزوعة من سياقها، في نسخة مصرية للجيب تعزز السردية شبه الرسمية عن الوزيرة الأمريكية المتهمة دائمًا وأبدًا بأنها تقف وراء مؤامرة الفوضى في مصر بدعمها لجماعة الإخوان المسلمين.

اللافت في هذه السردية، التي لا يخفي بعض أصحابها صراحة الانحياز إلى ترامب خوفًا من أن الديمقراطيين سيعيدون إلى الواجهة مجددًا "مؤامرات إشاعة الفوضى" في مصر، هو ذلك الخلط بين "تسريبات إيميلات" هيلاري التي تدعو إلى الاستقرار من أجل الحفاظ على المصالح الأمريكية من جهة، و"مخطط" وزيرة الخارجية السابقة كوندليزا رايس من أجل "نشر الفوضى الخلاقة في المنطقة" تطبيقًا لرؤية الرئيس جورج بوش الابن حول إنشاء "الشرق الأوسط الكبير"، من جهة أخرى.

ولكن بعيدًا عن السردية المصرية عن هيلاري، فما الذي يمكن أن تخبرنا به هذه الإيميلات، خاصة تلك المتعلقة بمصر، أكثر مما نعرفه فعلًا من مذكراتها أو البيانات الرسمية الأمريكية تجاه مصر، في الفترة التي تولت فيها هيلاري وزارة الخارجية؟

أولًا؛ أن هيلاري كانت تأخذ وظيفتها بجدية. الإيميلات الخاصة بمصر فقط موزعة على 79 صفحة وتضم نحو 1578 رابطًا لمراسلات علقت عليها أو أرسلتها أو اطلعت عليها، منها ما كان متعلقًا بأحداث جارية في مصر مثل تقرير وكالة أسوشيتدبرس عن أحداث 28 يناير/ كانون الثاني والذي أرسلته مساعدتها الشخصية هوما عابدين إليها في الثامنة والربع صباحًا بتوقيت واشنطن أي في الثانية والربع من ظهر يوم الجمعة بتوقيت القاهرة، ومنها ما هو شخصي مثل إيميل أرسلته هيلاري لمساعدتها يوم 1 أغسطس/ آب 2011 وتطلب منها التأكد من أن صورتها التي تحمل توقيعها قد أرسلت لحفيدة وزير الخارجية المصري آنذاك نبيل العربي، لترد المساعدة بأن السفارة الأمريكية في القاهرة أكدت استلام الفتاة للصورة.

ثانيًا؛ أن الفقرات التي تحمل تحليلات أو معلومات قد تضر بمصالح الولايات المتحدة قد حجبت، وما تبقى هو كواليس الاتصالات الأمريكية بمسؤولين مصريين خلال حكم مبارك بدءًا من 13 مايو 2009، ثم فترة حكم المجلس الأعلى للقوات المسلحة وما تلاها وصولاً ليوم 30 يناير 2013 أثناء حكم محمد مرسي، قبل أن تغادر الوزيرة منصبها.

ما هو متاح للاطلاع ويتعلق بمصر، لا يقدم أكثر من الذي كتبته هيلاري كلينتون في مذكراتها، أو صدر من بيانات عن الخارجية الأمريكية عندما كانت وزيرة. والسبب ببساطة أن عملية صنع السياسة الخارجية الأمريكية تجاه أي دولة تخضع لمجموعة من القواعد التي لا تتغير بتغير الحزب الحاكم، وأهم هذه القواعد هو الحفاظ على المصالح الأمريكية وذلك من خلال صراع المؤسسات فيما بينها من أجل إقناع الرئيس برؤيتها لكيفية الحفاظ على المصالح الأمريكية.

وعند الحديث عن مصر فإن المؤسسات الثلاث الأهم في صياغة السياسة الخارجية الأمريكية هي وزارة الخارجية ووزارة الدفاع (بنتاجون) ومجلس الأمن القومي التابع للرئيس والذي يمثل هنا البيت الأبيض. وبالطبع تخضع هذه المؤسسات لتأثير من لجنة العلاقات الخارجية التابع للكونجرس والذي يخضع بدوره لتأثير من جماعات الضغط السياسية التي تعمل في واشنطن.

بعد أن تحاول كل مؤسسة إقناع الرئيس بوجهة نظرها في كيفية التعامل مع أي تغيرات سياسية تحدث في مصر، يصدر الرئيس قراره، وهنا يكون على المؤسسات العمل على تنفيذ رؤية الرئيس.

ولكن ما الذي تريده واشنطن من القاهرة؟

يمكن اعتبار مباحثات كامب دافيد عام 1978 هي البداية الرسمية للمرحلة الثانية من العلاقات المصرية الأمريكية خلال العصر الجمهوري. وفي أعقاب التوقيع على معاهدة السلام المصرية الإسرائيلية في 1979 أصبحت لدى الإدارات الأمريكية المتعاقبة مجموعة من الأهداف التي تريد من القاهرة تحقيقها في مقابل الدعم السياسي والاقتصادي والعسكري.

وتختلف أولويات هذه الأهداف باختلاف الظروف السياسية التي تمر بها منطقة الشرق الأوسط أو تبعًا للمصالح الأمريكية حول العالم، ولكن يمكن تلخيصها في عدة نقاط: الحفاظ على معاهدة السلام مع إسرائيل، وتقديم الغطاء السياسي للتحركات الأمريكية في المنطقة كما حدث في حرب تحرير الكويت أو عملية السلام بين إسرائيل ودول المنطقة، والتعاون العسكري والسماح للقوات الأمريكية في المنطقة بعبور قناة السويس كما حدث في الحروب الأمريكية في الخليج، والتعاون الأمني وتحديدًا في الحرب على الإرهاب كما حدث مع تنظيم القاعدة، وأخيرًا الانضمام إلى منظومة الاقتصاد الحر عبر اتفاقات التجارة الحرة مع الولايات المتحدة، وهو ما يضمن تحقيق الأهداف السابقة بغض النظر عن هوية الحكم في القاهرة.

اجتماع في شرم الشيخ عام 2010 يضم كلينتون ومبارك ورئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو والرئيس الفلسطيني محمود عباس - الصورة من وزارة الخارجية الأمريكية - فليكر

وخلال توليها وزارة الخارجية، لم تكن لدى هيلاري كلينتون رؤية مغايرة عن رؤية الإدارات الديمقراطية أو الجمهورية السابقة فيما يخص العلاقات مع مصر. ففي أعقاب انتهاء الحرب الباردة قررت إدارة الرئيس الديمقراطي بيل كلينتون أن تضع حقوق الإنسان والديمقراطية ضمن العناصر التي تحكم علاقتها بدول الشرق الأوسط. ومن أجل حث حكومات المنطقة على القيام بالإصلاحات الديمقراطية قررت إدارة الرئيس كلينتون الضغط من خلال الحوار المباشر أو من خلال تخصيص أموال لدعم منظمات المجتمع المدني.

تعاملت الحكومات المتعاقبة خلال عصر مبارك مع ذلك الدعم المخصص للديمقراطية عبر "سياسة الاحتواء". كانت المساعدات العسكرية والمدنية أهم من الدخول في صدام مع الحليف الأمريكي حول برامج "الدمقرطة" والتي يمكن احتوائها من خلال منظمات المجتمع المدني الخاضعة للرقابة أو السيطرة الأمنية أو تلك التي يتم التغاضي عن فسادها المالي.

وفي 2009 تولى باراك أوباما رئاسة الولايات المتحدة وركز على جهود نشر ودعم الديمقراطية في المنطقة. لكن أولويات التعاون العسكري والأمني مع مبارك ظلت هي الأهم ضمن أجندة المصالح الأمريكية. وانعكس هذا في قرار أوباما خفض برامج دعم الديمقراطية المخصصة لمصر من خمسين مليون دولار في فترة سلفه الجمهوري بوش إلى عشرين مليونًا فقط.

مرونة هيلاري

اختارت وسائل الإعلام المصرية أن تعرض أجزاء من إيميلات هيلاري بشكل يعزز سرديتها بأن الوزيرة السابقة لديها "مخطط لنشر الفوضى في الشرق الأوسط والقضاء على استقرار الأنظمة الحاكمة عبر دعم الانتفاضات الشعبية والحروب الأهلية". لكن هذه السردية تتجاهل ما ورد في مذكرات هيلاري كلينتون وغيرها من المسؤولين الأمريكيين الآخرين بل والمصريين أيضًا، وجميعها تؤكد أن وزيرة الخارجية السابقة لم تكن من المدافعين الشرسين عن نشر الديمقراطية في مصر أو العالم العربي، بل على العكس تمامًا.

ضمن تركيبة إدارة أوباما التي تعاملت مع انتفاضة يناير، كانت هيلاري ووزير الدفاع روبرت جيتس يؤمنان بأهمية "انتقال منظم للسلطة" في مصر من مبارك إلى شخص يستطيعون أن يتأكدوا من نواياه حول التحالف المصري مع الولايات المتحدة والسلام مع إسرائيل. لم تكن هيلاري من بين الداعين لسرعة رحيل مبارك عن السلطة قبل التأكد من أن الأمور في القاهرة لن تخرج عن سيطرة المؤسسة العسكرية.

وللتأكيد على موقف هيلاري المتحفظ من أي تغيير مفاجئ للحكم في القاهرة، يمكن العودة إلى مذكرات آخر وزير خارجية لمبارك أحمد أبو الغيط شهادتي، والذي كتب فيها أنه وخلال رحلة خارجية إلى أديس أبابا وبينما كان المحتجون ما زالوا في ميدان التحرير يهتفون لرحيل مبارك، تلقى مكالمتين من هيلاري كلينتون تخبره فيهما أن على "القيادة المصرية" التصرف بحكمة والسماح للمظاهرات السلمية، وأن على مبارك أن يعلن عن إجراءات (لم تسمها) تنهي الأزمة. نقل أبو الغيط رسالة هيلاري إلى نائب الرئيس عمر سليمان والذي أخبره أن الأمريكيين يتصلون بكل دوائر السلطة في مصر من أجل شرح وجهة نظرهم.

كلينتون وأبو الغيط في واشنطن عام 2009 - الصورة: وزارة الخارجية الأمريكية - فليكر

من اللافت أن أبو الغيط اجتمع مع عمر سليمان بعد ذلك ليخبره هذا الأخير بأن "الأمريكيين يتحدثون بصوتين مختلفين. الأول هو صوت البيت الأبيض الذي يبدو أنه يتخذ موقفًا متشددًا ضد النظام في مصر، بينما الصوت الآخر هو لهيلاري كلينتون والخارجية والذين يظهرون مرونةً في بعض ردودهم".

رواية أخرى تفسر أسباب مرونة هيلاري تجاه مبارك وعدم ضغطها لرحيله سريعًا عن السلطة، يرويها وزير الدفاع جيتس والذي كتب في مذكراته أن إدارة أوباما كانت منقسمة حول كيفية الرد على الأحداث في مصر. نائب الرئيس جو بايدن وكلينتون وجيتس ومستشار الأمن القومي توماس دونيلون كانوا في "غاية القلق من أن الرئيس والبيت الأبيض وأعضاء الأمن القومي يميلون بشدة نحو تغيير النظام في مصر". بينما كان بايدن وكلينتون وجيتس ودونيلون يدعون لرد متعقل ويحذرون من "عواقب التخلي عن مبارك، وهو حليف لثلاثين عامًا".

من بين إيميلات هيلاري المنشورة ما لن يفهم محتواه إلا بمعرفة سياق الأحداث خلال أيام الثورة الثمانية عشر، منها تلك المتعلقة بقرار أوباما إرسال فرانك ويزنر كمبعوث إلى مبارك لإقناعه بأنه يحتاج إلى إنهاء إعلان حالة الطوارئ والتعهد بعدم الترشح في الانتخابات المقبلة وأيضًا إعلان أن نجله جمال لن يكون وريثه في الحكم. كان إرسال ويزنر للقاهرة، وهو سفيرٌ سابق لدى مصر بين 1986 و1991، استجابةً لتوصية هيلاري كلينتون والتي حرصت في أكثر من مرة التعبير عن قلقها من أن التعجل في رحيل مبارك عن الحكم سيضر بالمصالح الأمريكية في مصر والمنطقة.

حاولت هيلاري ومعها جيتس إقناع أوباما أن على مبارك أن يرحل عن الحكم محتفظًا بكرامته وبعد أن يشرف على تسليم السلطة بشكلٍ منظم إلى مدنيين منتخبين، لأن قطع العلاقات معه بشكلٍ حاد سيرسل الرسالة الخاطئة إلى الحلفاء العرب في المنطقة.

بعد رحيل مبارك عن الحكم، زارت هيلاري القاهرة واجتمعت مع نشطاء وممثلين للمجتمع المدني المصري وكتبت في مذكراتها أنها لاحظت أنهم مجموعة من "الشباب غير المنظم والذين لا يملكون أي خبرة سياسية" وأنهم غير مستعدين للمشاركة في كتابة الدستور الجديد أو دخول الانتخابات البرلمانية، وحينها توقعت أن حكم البلاد لن يؤول سوى إلى جماعة الإخوان المسلمين أو الجيش.

وخلال أحداث الهجوم على السفارة الإسرائيلية في القاهرة أو كل الاضطرابات الأمنية التي شهدتها مصر قبل الانتخابات الرئاسية في 2012، كانت هيلاري على اتصال دائم بنظيرها المصري أو بالمسؤولين في المجلس العسكري الحاكم من أجل التأكيد على فكرتها الرئيسية التي عبرت عنها أكثر من مرة خلال ثورة يناير 2011 وهي أن الأولوية هي استقرار الحكم في القاهرة وأن ذلك لن يتحقق سوى بانتقال سلمي ومنظم للسلطة وهو ما سيؤدي إلى الحفاظ على المصالح الأمريكية مع مصر.


اقرأ أيضًا: ما قرأته هيلاري عن مصر: نفوذ مرسي المقلق.. وطمأنة الإخوان للجيش

من لقاء هيلاري كلينتون بالرئيس الأسبق محمد مرسي عام 2012 في نيويورك. الصورة: وزارة الخارجية الأمريكية- فليكر

وبالتالي كانت هيلاري مدافعة عن الاستقرار ولم تكن داعية إلى الفوضى. فكل مواقفها تجاه مصر كوزيرة للخارجية تشير إلى أنها تنتمي إلى التيار التقليدي المحافظ الذي يقترب من رؤية الإدارات الجمهورية في أهمية الحفاظ على علاقة التحالف الأمريكية المصرية عبر عدم المغامرة بفرض تغيير سريع في شكل وطبيعة النظام الحاكم.

لهذا فعندما وصلت جماعة الإخوان إلى الحكم، كانت هيلاري حريصة (وفق مذكراتها والإيميلات المنشورة) على التواصل مع الإدارة المصرية ممثلةً في الرئيس ووزيري خارجيته ودفاعه، من أجل ضمان حفاظ مصر على معاهدة السلام مع إسرائيل، واستمرار لعب دور الوساطة بين حركة المقاومة الإسلامية حماس وإسرائيل، بالإضافة إلى استمرار التعاون في المجالين العسكري والأمني.

لكن لا تبدو هذه التفاصيل مهمة بالنسبة للخطاب الإعلامي المهيمن والذي قرر أن ينسب إلى هيلاري كلينتون أي "مؤامرة" على استقرار البلاد، طالما ساقها حظها التعس لأن تكون وزيرةً للخارجية الأمريكية خلال أكثر السنوات فورانًا في التاريخ المصري الحديث.