تصميم: المنصة

مسلسل التسريبات لا ينتهي: "إنجازات الفاشية" في الاغتيال المعنوي

أصبح وزير الدولة للإعلام أسامة هيكل آخر ضحايا مسلسل التسريبات وانتهاك الحياة الخاصة للأفراد، بعد أن أذاع التلفزيون الحكومي في مصر تسريبًا لمقطع من مكالمة أجراها معه عام 2011 رئيس حزب الوفد حينها السيد البدوي، بعد عدم دعوته لأحد جلسات الحوار الوطني، خلص الإعلامي وائل الإبراشي من تفاصيلها إلى أن "هيكل تم استخدامه لتحقيق مصالح حزبية لا تعبر عن مصالح وطنية".

وجاء هذا التسريب ليكلل موجة هجوم ضارية على الوزير بعد أن قال إن الشباب الأصغر من 35 سنة، ويمثلون من 60% إلى 65% من المجتمع لا يتابعون الصحف ولا يشاهدون التلفزيون. غير أن مصادر مطلعة في وزارة الدولة للإعلام كشفت للمنصّة أن السبب الحقيقي خلف هذا الهجوم هو تصريحاته التي انتقد فيها "الصوت الواحد" في وسائل الإعلام وطالب ببعض التنوع في المحتوى.

وبهذا الانتهاك لحياته الخاصة، انضم هيكل إلى قائمة طويلة من الشخصيات التي أذيعت بعض تفاصيل حياتها الشخصية على الشاشات والصحف أو شبكات التواصل الاجتماعي بالتزامن مع استهدافها بهجمات إعلامية يشنها صحفيون وإعلاميون يعملون في صحف وقنوات حكومية أو مملوكة للشركة المتحدة للخدمات الإعلامية، فيما وصفه محمد البرادعي نائب رئيس الجمهورية السابق بأنه "إنجاز فاشي مبهر للعالم".

واستحوذت الشركة المتحدة في إبريل/ نيسان 2019 على مجموعة دي ميديا الإعلامية التي تمتلك قنوات دي إم سي، لتنضم إلى ممتلكاتها التي حصلت عليها من استحواذ سابق لمجموعة إعلام المصريين مالكة قنوات أون تي ڤي، والحياة، بجانب حيازتها حصة حاكمة في قنوات سي بي سي. وقبل هذا التاريخ بعامين، في ديسمبر/ كانون الأول 2017، استحوذت شركة تدعى إيجل كابيتال على حصة رجل الأعمال أبو هشيمة في مجموعة إعلام المصريين، قبل أن يكشف تقرير منشور في موقع مدى مصر أن شركة إيجل كابيتال عبارة عن صندوق استثمار مباشر لجهاز المخابرات العامة المصرية.

وتنص المادة 57 من الدستور المصري على أن "للحياة الخاصة حرمة، وهى مصونة لا تمس. وللمراسلات البريدية، والبرقية، والإلكترونية، والمحادثات الهاتفية، وغيرها من وسائل الاتصال حرمة، وسريتها مكفولة، ولا تجوز مصادرتها، أو الاطلاع عليها، أو رقابتها إلا بأمر قضائى مبرر، ولمدة محددة، وفي الأحوال التي يبينها القانون".

بالإضافة للدستور، ينص قانون العقوبات المصري في المادة 309 مكرر على "الحبس مدة لا تزيد على سنة كل من اعتدى على حرمة الحياة الخاصة للمواطنين"، وذلك من قبيل "استراق السمع أو تسجيل أو نقل عن طريق جهاز من الأجهزة أيا كان نوعه محادثات جرت في مكان خاص أو عن طريق التليفون"، وكذلك "مَن التقط أو نقل بجهاز من الأجهزة أيا كان نوعه صورة شخص في مكان خاص".

مدنيون وإسلاميون

في يناير/ كانون الثاني 2017، أذاع برنامج على مسؤوليتي الذي يقدمه الإعلامي أحمد موسى تسجيلات لمكالمات منسوبة لمحمد البرادعي نائب رئيس الجمهورية السابق، اختلف الطرف الثاني فيها، فكان مرة شقيقه علي ومرة رئيس أركان الجيش المصري سابقًا الفريق سامي عنان.

وتضمنت هذه التسريبات الشهيرة انتقاد الأداء السياسي للمجلس الأعلى للقوات المسلحة الذي تولى السلطة لسنة ونصف بعد أن أطاحت الثورة بالرئيس الراحل حسني مبارك. وقتها أثير جدل واسع حول ما تضمنته هذه المكالمات على وسائل التواصل الاجتماعي، التي ردّ عليها البرادعي عبر تويتر بقوله "تسجيل وتحريف وبث المكالمات الشخصية إنجاز فاشي مبهر للعالم".

قبل هذه التسريبات، ظهر عام 2014 ما زعمت وسائل إعلامية أنها مكالمات هاتفية لشباب الثورة، مثل بعض قيادات حركة 6 أبريل، وكانت حول أحداث الثورة من قبيل "اقتحام مقر أمن الدولة"، وهي التسريبات التي استند عليها أحد المحامين في دعوى رفعها مطالبًا بحظر نشاط الحركة.

الضرر الذي واجهه هؤلاء اقتصر على آرائهم الشخصية في شؤون عامة، ولكن آخرين، معظمهم من النساء، تعرّضوا لاغتيال معنوي في تفاصيل تتعلق بحياتهم الشخصية.

التسريبات أيضًا طالت قيادات في جماعة الإخوان المسلمين التي تصنفها الحكومة المصرية جماعة إرهابية، لعل أبرزها ذلك المنسوب إلى نائب المرشد العام للجماعة خيرت الشاطر والذي أذاعته وسائل إعلام عدة، ويتضمن حديثًا عن "نية الإخوان الدفع بمرشح لها في انتخابات الرئاسة 2012" وهو ما داومت الجماعة على نفيه قبل إعلانها المفاجئ بتقديم مرشحين، أحدهما أساسي هو الشاطر نفسه والآخر هو محمد مرسي الذي فاز بالانتخابات في النهاية.

وبعد عزل مرسي، خرجت تسريبات منسوبة له بصحيفة الوطن المصرية في نوفمبر/ تشرين الثاني 2013، التي ذكرت أنها مكالمات هاتفية للرئيس المعزول بحوزة أجهزة أمنية، دارت بينه وبين زعيم تنظيم القاعدة أيمن الظواهري، وزعمت أنها "تضمنت اتفاقات بينهما"، من بينها "دعم التنظيم للإخوان ومرسي، ووقف الأخير العمليات العسكرية في سيناء على الرغم من علمه بوجود عناصر من تنظيم القاعدة بها".

ومن التسريبات المتعلقة بمرسي، كان ما نسبه له موقع صحيفة الوفد الحزبية من مكالمة هاتفية أجراها مع القيادي في الجماعة صفوت حجازي، زعمت أن الأخير "طالبه فيها بعدم إطلاق اسم الإخوان على قناة فضائية جديدة".

القيادي في الجماعة محمود حسين طالته التسريبات أيضًا، إذ ذكر موقع اليوم السابع عام 2015 أن "مجموعة صوت الإخوان المحسوبة على القيادة الجديدة داخل جماعة الإخوان نشرت تسريبًا لتسجيل صوتي منسوبًا لمحمود حسين أمين عام الجماعة السابق والمحسوب على ما يسمى بمجموعة القيادات التاريخية، ويعترف خلاله بأن المستويات الإدارية داخل الجماعة تعانى من خلل واضح".

بخلاف الجماعة وقياداتها، شملت التسريبات أيضًا مؤيديها كالإعلامي أحمد منصور الذي نُسبت إليه مكالمة هاتفية اتهم على أثرها بأنه "كان يحرّض على الدولة المصرية في عام 2011"، وكذلك جهات متحالفة مع الجماعة مثل حركة المقاومة الإسلامية حماس والتي اتهمت بعض قياداتها، بـ"سرقة مساعدات وتبرعات مقدمة للشعب الفلسطيني"، بناءً على تسريب تسجيل صوتي نُسب إليهم أذيع في الشهر الماضي.

واغتيال معنوي للنساء

الضرر الذي واجهه هؤلاء اقتصر على آرائهم الشخصية في شؤون عامة، ولكن آخرين، معظمهم من النساء، تعرّضوا لاغتيال معنوي في تفاصيل تتعلق بحياتهم الشخصية، مثل منال بهي الدين التي عرضت النيابة في إحدى جلسات محاكمة زوجها المبرمج والناشط السياسي علاء عبد الفتاح عام 2014 في قضية مظاهرة الشورى، تسجيل فيديو لها وهي ترقص في إحدى المناسبات العائلية، كان موجودًا على اللابتوب الخاص بها والذي صودر ضمن أحراز القضية.

ومع التحولات التي شهدتها الشهر الماضي التحقيقات في قضية اغتصاب فتاة في فندق فيرمونت عام 2014 وتحول بعض شهود الواقعة إلى متهمين بـ "تعاطي المخدرات وإقامة حفلات جنسي جماعي"، استمرت حسابات مجهولة على تويتر في تسريب صور وفيديوهات كانت على هواتفهم المحمولة التي صادرتها قوات الأمن عقب القبض عليهم وقبل خضوعهم التحقيق في النيابة كمتهمين في القضية جديدة.

ما بدأه مبارك ضد معارضيه ارتد عليه عندما أذيعت تسجيلات صوتية منسوبة إليه عام 2013 مع طبيبه تحدث فيها عن الوضع العام الذي شهدته مصر قبل وبعد ثورة 25 يناير.

وسرّبت هذه الحسابات بشكل مكثف صورًا لضحية جريمة الاغتصاب أيضًا مع الكشف عن هويتها وتسجيلات صوتية مع محاميها. وذلك بعد تسريبات أخرى لمحتويات الهواتف المحمولة التي تحفظت عليها أجهزة الأمن عقب القبض عليهم.

أما الفتاتان منى فاروق وشيما الحاج، فوقعتا ضحية تسريبات فيديوهات جنسية للمخرج خالد يوسف عام 2019، وألقي القبض عليهما وواجهتا تهمة "التحريض على الفسق والفجور بالإعلان عبر الظهور في فيديو إباحي"، وبقيتا قيد الحبس الاحتياطي لأربعة أشهر قبل إخلاء سبيلهما.

في ذلك الوقت، كانت مواقف المخرج والنائب البرلماني المؤيدة للنظام السياسي في مصر تنحسر لحساب مواقف أخرى معارضة كان أبرزها رفضه التنازل عن جزيرتي تيران وصنافير للسعودية. وحين ظهرت الفيديوهات، تحدثت وسائل إعلام عن احتمالية إسقاط عضويته من البرلمان، ووصل الأمر إلى القضاء الإداري الذي قضى في فبراير/ شباط 2020 بعدم اختصاصه نظر القضية.

النائب البرلماني السابق حيدر بغدادي استنكر التشهير بيوسف واعتبره "شغل أمن" مشابه لما تعرّض له وقت حكم مبارك من "فبركة صور جنسية له انتقامًا منه على كشف قضية أكياس الدم الملوثة (هايدلينا)". وهذا اﻷمر تعرّض له في تلك الحقبة أيضًا معارض آخر هو الكاتب الصحفي عبد الحليم قنديل.

ولكن ما بدأه مبارك ضد معارضيه ارتد عليه عندما أذيعت تسجيلات صوتية منسوبة إليه عام 2013 مع طبيبه تحدث فيها عن الوضع العام الذي شهدته مصر قبل وبعد ثورة 25 يناير. وقتها، وبناءً على بلاغ من محامي مبارك، فريد الديب، تم التحقيق مع الطبيب بتهمة تسريب هذه الحوارات، كما استدعي رئيس تحرير صحيفة اليوم السابع خالد صلاح لسماع أقواله.

بجانب مبارك، كان هناك تسريبات لواحد من أبرز رجال نظامه وهو الفريق أحمد شفيق، المرشح الأسبق لرئاسة الجمهورية، وذلك عبر إحدى وسائل الإعلام التابعة لجماعة الإخوان المسلمين، ينتقد فيها دعم المجلس العسكري ترشح المشير عبد الفتاح السيسي للرئاسة.