بورتريه ذاتي - رسم: نهاد ذكي

علبة ألوان تروّض وحشًا ينمو بداخلي

أرسمُ لأنها الطريقة الوحيدة المتاحة لدي للتعبير أثناء ضيق التنفس

كيف يمكن أن تتمرد على نوبات الألم؟ عندما يهاجمك الاكتئاب بقوة، عندما تسقط في البئر، وتصبح نقطة الضوء بعيدة جدًا، تذكّر أن هناك نسخة من روحك تقف على الجانب الآخر، وعلى استعداد لأن تمسك بيدك؛ أعرفُ نوبات الاكتئاب جيدًا، فقد كنتُ فريسة سهلة لها على مدار سنتين؛ نوبات متفرقة تختلف شدتها من حينٍ إلى آخر، أعجز خلالها عن مواصلة حياتي بطبيعية، كروحٍ أصابها العطب.

الأمر أشبه بأن تصبح سجينًا لذاتك وثمة وحش صغير تربيه بداخلك، ينهش جزءًا من روحك، كل يوم، حتى تفنى. حينها لن تجد ما يدعوك للابتسام، تمامًا مثلما لن تجد سببًا منطقيًا للمواصلة؛ كل الرغبات تصبح باهتة، يفارقك حتى الشعور بالجوع، ولا يبقى سوى ظلام البئر الموحش والمخيف. في أيام كهذه كنتُ أفضل النوم لأطول فترة ممكنة، ثماني عشرة ساعة يوميًا، أحلم خلالها باليوم المثالي، الذي تستيقظ فيه الحواس، وتحركني الروائح والأطعمة ولمسات الأصدقاء وعناقهم، وفي وسط البحث عن طريق للخروج من البئر، رسمتُ للمرةِ الأولى.

اللوحة الأولى - رسم: نهاد ذكي

خلال سنوات عمري المبكرة، لم يكن الرسم ضمن مخططاتي، مجرد هواية قديمة لم أسع لتطويرها، كنت أرسم على استحياء، مرة كل عام أو عامين، وأطلق على تلك العملية "اللعب بالألوان"، لكنَّ ذلك اليوم من مارس (آذار) الفائت، كان مختلفًا. كنتُ قد خضتُ عراكًا تحطمت على إثره إحدى اللوحات القديمة التي كان لها مكانة خاصة في قلبي. كنت أبكي، ومن بين الدموع نبتت نوبة هوس. فككتُ لوحة قماش الكانفاس المحطمة عن الإطار الخشبي، فرشتها على الأرض، ووضعت ألواني كلها حولي، وأنا أستمع لموسيقى الروك أند رول، ثم أعدتُ رسمها. كنت أبكي وأرقص في الوقت ذاته. أرسم بعصبية، بلا أدنى فكرة عما أفعله بالضبط، أو حتى تخطيط مسبق للوحة.

أعرفُ نوبات الهوس تمامًا كما أعرف الاكتئاب، فهي فسحة الوقت التي تشعر خلالها بالسعادة غير المشروطة، الأشجار تصبح ملونة فجأة، الطيور تغني، وأنت عبقري، كمن نبت لعقله عقل. على الرغم من ذلك تظل النوبات المختلطة هي الأقسى، فأنت تعاني الاكتئاب والهوس في آنٍ واحد، أفكارك متلاحقة وحزنك بلا حدود. تعجز عن النوم لأيام، وطاقتك ملء الكون، فما الذي يمكن أن تفعله؟ بالنسبةِ إليَّ، أرسم.

كنتُ أرى عيونًا تحدق فيَّ، الكثير من الوجوه المشدوهة والصارخة والمخيفة. أرى الوجه يخرج من دماغي ويتجسد أمامي، ومن ثم أرسمه بالألوان مباشرةً. ففي وسط الجنون لا مجال للقلم الرصاص.

في هذا اليوم من مارس، رسمتُ ولونت لإحدى عشرة ساعة متواصلة، من الحادية عشرة مساءً وحتى العاشرة من صباح اليوم التالي. لكنني لم أشعر بالتعب، مطلقًا.

لوحة مارس (آذار) 2020 - رسم: نهاد ذكي

كانت تلك هي البداية لمحبة جديدة تملكتني، فبعدما انتهيت من اللوحة الأولى، ومن البكاء، كنتُ قد فرغت تمامًا من الحزن، كمن يلتقط أنفاسه بعدما أوشك على الغرق. حينها لم أفكر في اللوحات كأعمالٍ فنية، ولا في نفسي كشخص يرغب في أن يضع ذاته بين التشكيليين، فقط كان الرسم والخطوط طريقة للتفريغ، لأن تلفظ "جانبك المُظلم" لينفث سمومه على قماشة بيضاء، وتستعيد سلامك الداخلي.

في ذلك الوقت، فكرت جديًا في جعل الرسم هوايتي الجديدة، ونافذتي للتعبير عن الهواجس التي تختلج في نفسي، وكلما أوشكت على السقوط في البئر، أمسكت الفرشاة لأرسم، وأنا على يقين من أن الألوان قادرة على مساعدتي. حينها تعرفت على كل المنصات الإلكترونية التي تتيح لك تعلم مبادئ الرسم، دون أن تغادر محيط منزلك، وكان يوتيوب منصتي المفضلة في التعرف على أساليب فنية مختلفة، فبين مطالعة لوحات كبار الفنانين، والدروس المتاحة لتعلم فن البورتريه، حاولت أن أجعل وجوهي التي أراها أقرب لخيالي منها في الواقع. وكان أكثر ما يغريني هو تعلم الطريقة التي يمكنك بها أن ترسم نظرة عين. فالعين نافذة الروح، وإن أتقنتها، أنت على أعتاب الصدق.


لسنا بحاجة لأن نصبح فنانين محترفين لكي نمسك الفرشاة ونرسم، لسنا بحاجة لأن تباع لوحاتنا، أو أن نسعى لأن يعترف بنا أحد. أرسم لأنها الطريقة الوحيدة المتاحة لدي للتعبير أثناء ضيق التنفس. أصنع شخبطات، لكنها تصبح فيما بعد جزءًا من روحي، إنها الهواجس والخيالات التي لا أستطيع أن أحتفظ بها داخلي، أنت أيضًا تستطيع أن تفعل ذلك، تستطيع أن تجسد ألمك حتى وإن كنت ستحرقه فيما بعد انتقامًا منه، أو تتخلى عنه للعابرين، ممن يعجبون بأشباحك.

ضغطة زر على محرك البحث جوجل، وستجد عشرات الفيديوهات المجانية، التي يمكنك بواسطتها أن تخلق لنفسك مساحة حرة، يمكنك أن تتعلم الرسم بالرصاص والفحم والألوان المائية و"الأكريليك" والزيت، يمكنك أن ترسم ما تحب، سواء كان ذلك وجهًا أم منظرًا طبيعيًا لمكان تود أن تزوره. ليس على الهوايات أن تكون نتاج موهبة فطرية، لأنك تستطيع ببعض الجهد أن تخلق موهبة بنفسك.