خلف قناع الجوكر.. الفصل الأول من كتاب "أبطال" لفرانكو بيراردي

الديون بتمثل سلاح ضد استقلال المجتمع، وبتحول الفلوس لأداة ابتزاز. الشباب الصغير مضطر يستلف من البنك عشان تكاليف دراسته، بما إن الفاشية الليبرالية الجديدة دمرت نظام التعليم الحكومي، والتعليم الخاص غالي بشكل مجحف. ولما الشباب بيتخرج بيضطر يقبل أي وظيفة مؤقتة عشان تسديد الديون، وبيتعرض في سبيل ده لكل أنواع الابتزاز.

من الممكن اعتبار حادث إطلاق النار على ناد للمثليين في فلوريدا بالولايات المتحدة عملية إرهابية قام بها جهادي إسلامي، يصبح ذلك من المرجح بعد إعلان تنظيم الدولة الإسلامية مسؤوليته عن الحادث، هنا نعرف العدو/الإرهاب وربما من هذا المنطلق يكون السعي هو تدميره، ولكن الممكن أيضًا أن يكون حادث إطلاق النار حلقة جديدة في سلسلة الذئاب الوحيدة الذين يخرجون ويطلقون النار على الأبرياء لأسباب متعددة، ولو كان الأمر كذلك، أو حتى خليط بين كونه كذلك وبين كون الدافع جهادي إسلامي، يكون تحديد العدو أكثر صعوبة.

في العام الماضي كتب المفكر الإيطالي فرانكو "بيفو" بيراردي كتابًا بعنوان "أبطال.. القتل الجماعي والانتحار"، وأبطال بيراردي كانوا مختلفين، هم المجرمون الذين يطلقون النار على تجمعات من الأبرياء لأسباب متنوعة. الاضطراب العقلي يكون هو الحل الأسهل لتفسير مثل هذه الحوادث، ولكن هذا التفسير ليس كافيًا لبيراردي.

يقول بيراردي في كتابه: "إن الجيل الذي تعلم الكلمات عن طريق الآلات أكثر مما تعلمها عن طريق أبويه، يبدو غير قادر على أن يخلّق التضامن والشفقة والاستقلال". نحن اليوم أمام عصر جديد ونمط آخر من الرأسمالية يضغط على الإنسان بطريقة مختلفة: "تحولت النقود لأداة استعباد، وصارت الديون نوعًا من اللعنات الميتافيزيقية".

منذ السبعينيات من القرن العشرين تلاشى الأبطال بالمعنى المتعارف عليه، وتلاشت الحياة الواقعية نفسها لصالح التراكم المالي، الذي يصفه بيراردي بالثقب الأسود، ويتساءل هل يمكن للإنسانية أن تخرج من هذا الثقب الأسود، وأن تخلق نوعًا آخر من التضامن وأن تساعد بعضها؟

الهروب من الثقب الأسود لا يحدث عند البعض من خلال السعي للتضامن، في هذا العصر يحاول العديد من الناس تجاوز الفاصل بين الواقع الضاغط والخيال الرحب، وكان هذا هو الحال مع الأمريكي جيمس هولمز، الذي انبهر بفيلم "باتمان.. فارس الظلام"، ثم قام بقتل 12 شخصًا أثناء عرض الجزء التالي من الفيلم "باتمان ينهض" في عام 2012، ليقول للسجانين بعد ذلك أنه هو الجوكر.

يكتب بيفو عن أمثال جيمس هولمز وتشو سيونج هوي (مرتكب مذبحة فرجينيا عام 2007)، وآندري برايفيك (مرتكب هجمات النرويج عام 2011)، والذين يمكن أن نضيف لهم عمر متين في 2016.

وفرانكو "بيفو" بيراردي هو مفكر إيطالي ماركسي، ولد عام 1948 ويركز اهتماماته في البحث في دور الإعلام والتكنولوجيا في عصر الرأسمالية ما بعد الصناعي. شارك في العديد من الحركات المعادية للرأسمالية في إيطاليا، وبسبب انغماسه في تلك الحركات اضطر للهرب إلى فرنسا في السبعينيات من القرن العشرين، ليعمل لبعض الوقت مع الفيلسوف الفرنسي فيليكس جاتاري. ويستخدم بيراردي في تحليلاته الماركسية والتحليل النفسي والتحليل الفصامي ونظرية الاتصال. ومن كتب بيراردي "بعد المستقبل" و"الروح في العمل" و"المحارب والتاجر والحكيم".

يترجم محمد عبد الجواد فصلًا من كتاب "أبطال" لفرانكو بيراردي بالعامية المصرية، والترجمة بالعامية ندر استخدامها خاصة في الأعمال الفكرية.

بالتالي يمكن اعتبار الترجمة تقديمًا مناسبًا لبيراردي، وفي الوقت نفسه بداية للجدل حول الأبطال المضادين الذين يصنعهم النظام الرأسمالي الحالي، وأيضًا يمكن اعتبار الترجمة تجربة في ترجمة النصوص غير السردية للعربية، وننتظر أن تكون أيضًا تجربة للترجمة الجماعية، إذ ترحب المنصة بمساهمات المترجمين من القراء لإكمال النص وأن يراجعه معهم محررو المنصة بالتعاون مع مترجم الفصل الأول من الكتاب. (يمكنكم المشاركة في هذا الملف).

محررو المنصة


الفصل الأول - الجوكر

(من كتاب "أبطال" لفرانكو بيراردي - ترجمة محمد عبد الجواد)

جيمس هولمز - مرتكب هجوم أورورا

واقعي جدًا

في يوم 12 يوليو 2012، شاب صغير بيشتري تذكرة سينما وبيدخل يقعد في الصف الأول. بعد نص ساعة من بداية الفيلم، بيخرج الشاب من المبني من باب طواريء ويسيبه موارب. بيروح عربيته ويغير هدومه ويلبس درع واقي، ويطلع أسلحته. على الساعة اتناشر ونص بالليل، الشاب بيرجع السينما تاني من الباب الموارب وهو لابس قناع غاز وخوذة واقية وبنطلون مضاد للرصاص وواقي رقبة وجوانتي.

الناس اللي لاحظت الشاب المسلح المقنع افتكروه واحد من جماهير باتمان المتحمسين اللي لبسوا زي تنكري بمناسبة الفيلم. في راجل كان حاضر العرض مع عيلته حيصرح بعدها إن الهجوم في الأول كان شكله مقلب دعائي بمناسبة بأول عرض للفيلم، بس فجأة الحدث قلب "واقعي جدًا، بسرعة جدًا".

بعد حوالي تلت ساعة، كان في لحظة مؤثرة في الفيلم، وساعتها في حاجة شبه قنبلة غاز اترمت أدام الشاشة. ووقعت على جنب.. ساعتها افتكرتها شمروخ. الناس بدأت تقوم وتتحرك، وبعدها شفت لمعان الرصاص اللي اتضرب من تحت على يميني، عند ركن الشاشة اليمين. في الأول افتكرتها شماريخ بردو، لحد أما الطلقة جاتلي هنا (بيشاور على كتفه من تحت وصدره) وساعتها جمّعت إن الموضوع واقعي. الناس بدأت تصرخ والوضع بقى كله فوضى.

الساعة 12:38 بالليل، رمى الشاب المسلح قنبلة دخان، وأول ما الدخان بدأ يملا القاعة، بدأ الشاب يضرب نار من بندقية خرطوش، الأول ضرب في السقف وبعدين ضرب على المشاهدين. وبعد كده استخدم سلاح نص آلى سميث اند ويسون مع خزنة 100 طلقة، ومسدس جلوك 22. شوية من الطلقات دي خرمت الحيطة وأصابت ناس كانوا قاعدين يتفرجوا على نفس الفيلم في القاعة اللي جنبها.

واضح إنه خلص 19 أو 20 خزنة رصاص. الناس كانت بتجري يمين وشمال، وفي واحد ورانا اتعور، كان بيقول "أنا اتصبت". الشاب كان عامل زي التيرميناتور، منطقش ولا كلمة، كان قاعد يضرب نار ويضرب نار وبس. كان في ناس بتزحف على السلالم عشان تهرب من الرصاص. المشهد كان وحش جدًا. وحش جدًا.

جرس الإنذار بدأ يضرب بعد الهجوم، وعمال السينما ساعدوا الناس تخرج. في ناس بدأت تتويت وتبعت رسايل عن الحادثة بدل ما يطلبوا البوليس. المسلح اتقبض عليه جنب عربيته الساعة 12:45 من غير أي مقاومة. في المجمل في اتناشر واحد ماتوا وسبعين مصاب في الهجوم.

الشاب شعره برتقاني محمر، وشكله متوه ومش مجمع اللي حواليه. بعدها بكام ساعة المحققين حيعلنوا إن اسمه جيمس هولمز. والظاهر إن الهجوم كان فردي وإن المهاجم مكانش بينتمي لأي جماعة أو منظمة إرهابية. في واحد من زمايله في الفصل حيصرح بعدها إن هولمز كرر كذا مرة انه عايز يقتل ناس.

في مقابلة مع الدايلي نيوز، واحد من عمال السجن قال إن هولمز عايز يعرف الفيلم خلص على إيه. وإنه دايمًا بيقول للسجانين في سجن كولورادو إنه مش فاهم هو محبوس ليه. في كذا سجان من اللي بيتعاملوا معاه مقتنعين انه بيمثل دور فاقد الذاكرة.

الفن والحياة

مفيش حاجة مرعبة أكتر من انك تدخل جوه دماغ جيمس هولمز وتلبس وشه.

في ظرف أيام، ظهر على موقع إ-باي قناع مطاطي على شكل وش جيمس هولمز، بملامح جامدة وشعر برتقاني زي ما ظهر في صور سجلات البوليس. القناع كان معروض للبيع مقابل 500$.

الهالوين الشهر الجاي! اصدم كل معارفك! قالوا عليه "الجوكر" "مهاجم فارس الظلام" "اللاما" "الموهوب الخارق" بس اسمه الحقيقي جيمس هولمز! ومفيش حاجة مرعبة أكتر من انك تدخل جوه دماغ جيمس هولمز وتلبس وشه. عينيه اللي بتخرق الروح وشعر الجوكر البرتقاني حيخلوا القناع ده أفظع حاجة ممكن تجيبها. تخيل إن عندك قناع أخطر سفاح في تاريخ أمريكا. القناع معمول من مطاط لاتكس عالي الجودة مخصوص لزبون بره أمريكا. وأنا كسبت القناع في بولة بوكر لما كنت في أوروبا. أضمن لك إن دي النسخة الوحيدة في العالم وعمليًا لا تقدر بتمن لأن القناع طلع في أغرب فيلم تسجيلي حيتعرض في 2013. القناع بيتباع لوحده ولا يرد. لو معندكش سوابق شراء هنا وعايز تخش المزاد ابعتلي الأول. أنا حابعت القناع أول ما استلم الفلوس، حظ سعيد.

بعد الإعلان ده ما ظهر بشويه، إ-باي مسح القناع اللي كان عارضه "رييل فايس 13". مسؤول إ-باي قال لإي-بي-سي نيوز إن: "العرض اتمسح لأنه تعارض مع سياستنا بخصوص المواد المسيئة. واحترامًا مننا لضحايا حوادث العنف، مش ها نسمح للعروض اللي بتكسب من مآسي البشر ومعاناتهم".

قلب كاتومان اتكسر

قريت الأخبار: مش قادر أوقف، قعدت بالليل أقلب على النت.

هولمز اللي قتل 12 شخص بما فيهم طفلة عندها 8 سنين اسمها فيرونيكا موسر سوليفان كانوا بينادوه بسفاح العيال وهو داخل السجن. واحد من المساجين اللي كانوا في مركز حجز أراباهو في كولورادو اسمه واين ميدلي، 24 سنة، بيحكي إزاي "كل المساجين كانوا بيخططوا ازاي يقتلوه. كل واحد مستني فرصة. مكانش في سيرة غير الموضوع ده"

هولمز قال للضباط إنه هو الجوكر، عدو باتمان. الرسالة المسجلة على تليفونه كانت فعلا مستوحاه من شخصية الجوكر. جوا السجن، هولمز كان بيتف على الحراس طول الوقت. في حد من جوا السجن كان بيقول إن هولمز كان في حبس انفرادي عشان كانوا متوقعين انه ينتحر. "بس هو مكانش باين عليه أي ندم. زي ما يكون ممثل في فيلم".

بعد حادثة ضرب النار، صرحت الممثلة آن هاثاواي -اللي مثلت دور كاتوومان: "قلبي اتوجع واتكسر على الناس اللي ماتوا والناس اللي حياتهم تأثرت بالعمل الغاشم اللي مالوش أي منطق ده. معنديش كلام يعبر عن حزني. أنا بصلي للضحايا وأهاليهم وقلبي معاهم".

مخرج فيلم فارس الظلام ينهض كريستوفر نولان طلع بيان بيقول فيه:

بالنيابة عن الممثلين وفريق عمل فارس الظلام ينهض، أحب أعبر لمنطقة أورورا كلها عن أسفي الشديد للكارثة اللي حصلت. مش حادعي إني عارف أي حاجة عن ضحايا ضرب النار اللي حصل، بس الضحايا دول ماتوا وهم بيتفرجوا على فيلم. أنا مقتنع إن الأفلام من أعظم أشكال الفنون الأمريكية وإن تجربة الفرجة مع ناس على قصص بتتحكي على الشاشة هي حاجة مهمة وممتعة. أنا بعتبر السينما بيتي، وعشان كدة فكرة إن حد يتعدى على المكان الجميل المسالم ده بالشكل الهمجي اللي حصل هي فكرة مدمرة بالنسبة لي. مفيش حاجة تتقال ممكن تعبر عن تعاطفنا مع الضحايا الأبرياء للجريمة البشعة دي، بس قلوبنا معاهم ومع أهاليهم.

اللي حصل بعد كده إن شركة دي.سي كوميكس أجلت إصدار القصة المصورة مؤسسة باتمان #3، اللي كان فيها مشهد لعميلة لوكالة ليفياثان بتتنكر في لبس مدرسة وبتخش على فصل مليان أطفال بمسدس في إيدها. شركة وارنر برازرس كمان سحبت إعلان فيلم فرقة العصابات بسبب مشهد لشخصية بتضرب نار من مدفع رشاش على جمهور في قاعة سينما.

الجوكر والرب

"ربنا خلق أمريكا عشان يبين معنى إن أمة تمشي على تعاليم الكتاب المقدس ورب الكتاب المقدس. أمريكا موجودة علشان تكون المثل الأعلى للعالم في بناء الثقافة الربانية، ونشر الإنجيل للعالم كله". ريك وارين، أستاذ اللاهوت الأمريكي.

مين جيمس هولمز؟ مين الشاب الصغير اللي اقتحم قاعة السينما في أورورا ونط الحيطة اللي بتفصل الفن والحياة؟

الناس وصفوا الجوكر، 24 سنة، إنه "عنده مشاكل" و"مش مظبوط" و"مش في الدنيا"، ده غير اللي قالوا إنه كان ملبوس بشيطان. بس كبير القساوسة في كنيسة بناسكويتو اللوثرية في سان دييجو، جيرالد بورجي، فاكر إن جيمس كان ولد خجول وذكي وشاطر في المدرسة. القسيس كمان فاكر إن عيلة هولمز كانوا منتظمين في الكنيسة من عشر سنين، وإن أم القاتل كانت بتحضر القداس دايمًا وكمان بتروح تساعد الكنيسة في وقت فراغها.

وزي ما قال بينجي سيندولوكا الكاتب في واشنطون بوست، جيمس كان ولد مسيحي طيب، ماشي بنور الرب على تعاليم الإنجيل المقدس، زيه زي ملايين المسيحيين الأمريكان. جيمس كان "ولد مسيحي طبيعي" ملتزم في نشاطات الكنيسة في منطقته

في مقالة كاتبها الاب ج. آيكين تايلور بعنوان "بماذا يؤمن المشيخيون (بريسبيتيريان)؟"

المشيخيون بيؤمنوا ان كل حاجة بتحصل بإرادة الرب، ومينفعش الحاجات تتفهم غير من وجهة النظر دي. مفيش أي بشر يقدر ينفع أو يضر غير بإرادة ربنا. هو القادر على إبطال أفعال الأشرار ودحرهم. ربنا بيدير كل حاجة بإرادته وقادر يغير كل حاجة، حتي اللي في ظاهرها شر، إلي خير نافع لكل المؤمنين بيه واللي بيحبوه، واللي سايبين نفسهم تحت طوعه.

بعد الحادثة على طول في أستاذ لاهوتي اسمه ريك وارين بدأ يلوم اللي حصل على المدارس الحكومية ومناهجها اللي بتدرس نظرية التطور وبتمنع الصلاة في المدرسة. التويتة اللي كتبها بتقول: "لما تدرس للطلبة إن مفيش فرق بينهم وبين الحيوانات، حيتصرفوا زي الحيوانات". في كمان بريان فيشر، مدير مركز تحليل الأداء الحكومي والسياسة العامة في رابطة الأسر الأمريكية، اللي اقترح في برنامج إذاعي إن الحادثة مرتبطة بشكل مباشر بالليبراليين اللي "فضلوا ستين سنة يستهزأوا بربنا". فيشر شرح أكتر في البرنامج اللي اتذاع على راديو الأسرة الأمريكية اللي بيتذاع على 125 قناة في كل أنحاء البلد:

ربنا خلق أمريكا عشان يبين معنى إن أمة تمشي على تعاليم الكتاب المقدس ورب الكتاب المقدس. أمريكا موجودة علشان تكون المثل الأعلى للعالم في بناء الثقافة الربانية، ونشر الإنجيل للعالم كله. دلوقتي ممنوع تصلي في المدارس. إحنا طردنا الإنجيل من مدارس الحكومة من سنه 1963... وبعدين طردنا الوصايا العشر في سنة 1980. فاكرين أول وصية؟ "لا تقتل". تفتكروا إيه كان ممكن يحصل لو جيمس هولمز سمع الكلام ده كل يوم في المنهج؟ لو كانت الوصايا مادة إجبارية: "لا تقتل"؟.. مين عارف إيه اللي كان ممكن يحصل؟ بس اللي عارفينه هو إننا جربنا السكة التانية، سكة الليبراليين، لمدة 60 سنة. وكانت إيه النتيجة؟ مذابح في أورورا.

مايك هاكابي، محافظ ولاية آركنساس رقم 44، والمرشح المبدئي للحزب الجمهوري في انتخابات الرئاسة سنة 2008، كان شايف إن سبب مذبحة كولورادو هي الذنوب و- إيه كمان؟- الزحف العلماني: "من الآخر، إحنا معندناش مشكلة جريمة ولا مشكلة سلاح - ولا حتى مشكلة عنف. إحنا عندنا مشكلة ذنوب".

منبوذ

قبل الجريمة البشعة بكام أسبوع، جيمس هولمز حاول يظبط علاقة عاطفية من على موقع تعارف على النت. والظاهر انه كان متوقع انه حايتقبض عليه لأنه كان كاتب في الصفحة بتاعته "هتزوريني في السجن؟" ده غير انه في أول الصفحة كتب "أنا بدور على علاقة طياري أو واحدة ليها في السكس. أنا واد طيب. يعني.. طيب بالمقارنة بالناس اللي بتشقط هنا".

هولمز حاول يضبط مع ثلاث ستات بعد ما فتح حسابه على الموقع يوم 5 يوليو، بس ولا واحدة رضيت تقابله. في واحدة فيهم قالت إن هولمز في الحقيقة مكانش عايز علاقة جنسية، هو كان بيدور على "حد يتكلم معاه...مش أكتر".

دومينيك كارون أخصائي الامراض النفس-عصبية شايف إن هولمز كان بيواجه صعوبات في التعامل العاطفي مع الناس، كمان كان متخيل إن هولمز شاف نفسه في شخصية الجوكر عشان كان بيتبلطج عليه وهو صغير وكان دايما منبوذ.

هولمز كان جاهز للهجوم يوم الخميس بالليل. ساق عربيته لحد سينما سينشيري 16 في مول كبير في وسط البلد، على بعد 5 أميال من بيته. اشترى تذكرة لحفلة نص الليل لفيلم فارس الظلام ينهض، آخر أفلام باتمان، ودخل قعد في السينما مع الجمهور المتحمس، بس ساب الفيلم في نصه وخرج من باب الطواريء. هولمز فجر ثورته الحقيقية الواقعية في اللحظة اللي دخل فيها السينما تاني محمل ترسانة ذخيرة.

أسلحة

دان اوتس، رئيس شرطة أورورا، اعلن إن:

هولمز اشترى أربع مسدسات من محلات أسلحة محلية واشترى أكتر من 6000 خرطوش ذخيرة من على النت: أكتر من 3000 عيار 0.223 للبندقية، واكتر من 3000 عيار 0.4 للمسدسين الجلوك اللي معاه، و300 لبندقية الرش عيار 12. ده غير كذا خزنة طلقات للبندقية بما فيهم الخرنة الدوارة الـ100 طلقة اللي اتحرزت من مكان الحادثة. ومع إن السلاح نص آلي، بس الخبراء قالوا إنه كان يقدر يضرب من 50 لـ 60 طلقة في الدقيقة من الخزنة الدوارة. كل اللي تحت إيدينا بيقول إن ضرب النار كان عنيف جدًا في السينما.

شقة هولمز كانت ملغمة بمعدات معقدة. جريجوري د. لي كتب مقالة علي بلوج ذاإنتلهاب بعد كام يوم من المذبحة الجماعية بعنوان "مين مجنون أكتر، جيمس هولمز ولا بتوع الحد من السلاح؟"

هل الناس اللي ضد شيل السلاح حايتبسطوا لو هولمز بدل ما يستخدم سلاح استخدم متفجرات وفجر السينما الـ16 قاعة المليانة ناس وجابها الأرض؟ طب لو كان معاه سنجتين ودوّر الضرب في الضحايا الغلابة؟ الفكرة كلها إن نوع السلاح المستخدم مش فارق إذا كان الجاني داخل ومقرر إنه يقتل أكبر عدد ممكن. اللي بيحصل إن الأشرار اللي زي هولمز دايما بيلاقوا طريقة".

زي ما جون لوت بيقول في كتابة أسلحة اكتر، جريمة أقل، وجود قوانين بتسمح للمواطنين إنهم يشيلوا سلاح بشكل طبيعي ومنتظم بتقلل من جرائم العنف، عشان بتخلي المجرمين يفكروا في مخاطرة إنهم يهاجموا ضحية مسلحة. في قطاع كبير من المجتمع الأمريكي مقتنع إن شيل السلاح في الأماكن العامة بيسمحلهم يحموا حياتهم -و الأهم- ممتلكاتهم.

بس في الواقع أكتر بلدين في معدلات جرائم القتل الجماعي هم الولايات المتحدة وفنلندا. الولايات المتحدة هي الدولة الأولى في العالم في حيازة السلاح (88 سلاح لكل 100 مواطن، بما فيهم الأولاد الصغيرين). وفنلندا بتيجي في المركز الثامن (32 سلاح لكل 100 مواطن) وفي النص في دول زي صربيا والعراق واليمن، اللي هي دول فيها أسباب عرقية ودينية وسياسية ورا النوع ده من القتل الجماعي.

الموقع الإلكتروني الخاص بأصحاب الأسلحة في أمريكا (لوبي التسليح الراديكالي الوحيد في أمريكا) بيعلن:

الأسلحة بتنقذ أرواح أكتر مما بتقتل: وبتمنع إصابات اكتر ما بتصيب. المواطنين الشرفاء بيستخدموا السلاح للدفاع عن نفسهم ضد المجرمين بمعدل 2.5 مليون مرة في السنة - أو 6,850 مرة في اليوم الواحد. ده معناه إن الأسلحة النارية بتحمي المواطنين الأبرياء اكتر 80 مرة من معدلات القتل كل سنة. ومن 2.5 مليون مرة بيستخدم فيها السلاح كوسيلة دفاع، الأغلبية العظمى من المدافعين بيكتفوا برفع السلاح أو ضرب طلقات في الهوا لتخويف المهاجمين. نسبة المرات اللي المدافع بيقتل أو بيجرح المهاجم لا تتعدى 8%. في 200,000 ست بتستخدم السلاح للدفاع عن نفسها ضد الاعتداء الجنسي كل سنة. المواطنين المسلحين بيقتلوا محتالين أكتر من اللي بيقتلهم البوليس. المواطنين بيضربوا النار ويقتلوا على الأقل ضعف عدد المجرمين اللي بتقدر عليهم الشرطة كل سنة (1,527 إلى 606).

مش لازم ننسى إن الهوية الأمريكية اتلفقت عن طريق إبادة السكان الأصليين اللي كانوا عايشين في الأرض قبل وصول الجماعات التطهيرية من أوروبا.

إيه المقصود بكلمة "تطهيري"؟ الطهارة هنا معناها إن الماشي على كلام الرب هو بس اللي مسموح له يعيش. استعمار الكاثوليك الأسبان "اللي مش أطهار" لجنوب أمريكا كان شيء وحشي، زي أي استعمار تاني. بس غير الأطهار الكاثوليك تصالحوا مع خرافات وعادات السكان الأصليين من الهنود الحمر، وفي حاجات من زمن ما قبل الحضارات الكولومبية في وسط وجنوب أمريكا مستمرة في البقاء فعلًا.

والنهاردة في طفرة في استعادة الثقافة الأصلية، الحاجة اللي بتسمح لقادة زي إيفو موراليس، الهندي الأصل، بالظهور.

بس القتلة التطهيريين الغير متسامحين مع أي نجاسة مسحوا كل أثر أو بذرة للثقافات والشعوب الأصلية، في واحدة من اكبر حروب الإبادة الشاملة في التاريخ الإنساني. وهو ده أصل الولايات المتحدة الأمريكية.

يوم العار

في 28 سبتمبر 2012، الساعة 7:23 الصبح، في راجل قتل شخص ملثم كان شكله بيحاول يقتحم بيت أخته في نيو فييرفيلد في كنيتيكيت. الراجل بعدها بيكتشف إن اللي كان فاكره حرامي طلع ابنه، تايلر جيليانو، 15 سنة. البوليس بيقول إن الأخت اللي كانت قاعدة لوحدها كلمت أخوها -أبو تايلر - اللي عايش في نفس المنطقة. الراجل جري من بيتة شايل مسدس معمر وفتح النار على الشخص الملثم اللي كان ماسك حاجة شكلها زي السلاح حسب تقرير البوليس.

مش مفهوم بالضبط ليه الشاب المراهق كان لابس أسود في أسود ومغطي وشه بقناع تزلج وواقف بيتلصص على بيت خالته الساعة 1 بالليل. جون هودج من المجلس المحلي للمدينة صرح إن جيليانو الأب -المدرس في نفس المدينة- قال للبوليس إن الملثم حاول يتحرك ناحيته، وإنه عرف بس بعد أما شال القناع إنه ضرب الرصاص على ابنه.

واضح إن جيليانو الأب والابن -الطالب في مدرسة نيو فييرفيلد الثانوية- كانوا سعداء ومحبوبين. جارتهم ليديا جيبس قالت إنها سمعت 9 طلقات وإنها افتكرتهم ألعاب نارية.

هودج علق إن "الموضوع كله تحسه طالع من سيناريو في هوليوود"

في يوم 14 ديسمبر 2014، ارتكب آدم لانزا (20 سنة) واحدة من أكتر الجرايم بشاعة في تاريخ أمريكا: بعد ما ضرب النار على أمه وقتلها، آدم ساق عربيته لمدرسة ساندي كوك الابتدائية وقتل ستة من موظفين المدرسة و20 طفل. آدم انتحر بطلقة في دماغه أول ما البوليس وصل. دي كانت تاني أكبر حادثة ضرب نار من شخص واحد في تاريخ أمريكا بعد مجزرة فيرجينيا تيك في 2007، وتاني أكبر حادثة في مدرسة ابتدائي بعد تفجيرات مدرسة باث في ميتشيجان في 1927.

الحادثة أعادت فتح الجدل حوالين التحكم في السلاح في الولايات المتحدة، وتم تقديم اقتراح لتشريع لمنع بيع وتصنيع أنواع معينة من السلاح النص آلي وخزاين الرصاص اللي بتشيل اكتر من عشر طلقات. بس كل الدوشة والجدل ده ما غيرش حاجة، لإن الكتلة الجمهورية أعاقت الاقتراحات بتفعيل كشوف الهيئة عند شراء السلاح لما تم مناقشتها في مجلس الشيوخ. وبرغم الأمل في إن الغضب الشعبي بعد حادثة المدرسة حيجبر واشنطن إنها تعمل حاجة، بس لما تم التصويت على التعديل المحدود على القانون كانت النتيجة إن الأغلبية (أربعة وخمسين صوت) صوتوا بالموافقة، بس كان لازم يكونوا على الأقل ستين صوت عشان يتخطوا مماطلة الكتلة الجمهورية.

بعد التصويت، باراك أوباما طلع بيان غاضب وعنيف ضد أعضاء مجلس الشيوخ (تقريبا كلهم جمهوريين) اللي وقفوا ضد الاقتراح، وضد جمعية السلاح الوطنية اللي مولت الأعضاء دول. أوباما قال في الخطاب "ده من أيام العار لواشنطن". ودلل بالموقف ده على عقم السياسة - نفس الفكرة اللي قالها كذا مرة خلال الفترتين الرئاسيتين بتوعه- وكأنه بيناقض شعاره المشهور "أيوة نقدر".

باتمان وروف

فيلم نولان السطحي مفيهوش أي حاجة من خفة دم وذكاء تيم بيرتون، وزي ما كتب آندرو كلافان عن ثلاثية نولان إنها "أنشودة مدح في صرامة وشجاعة جورج بوش الأدبية في زمن الإرهاب والحرب".

جيمس هولمز، الجوكر، قاعد في زنزانته وعايز يعرف إذا كان الفيلم خلص على نهاية سعيدة؟ الإجابة أكيد طبعًا، النهاية السعيدة حاجة مضمونة في إمبراطورية الخيال المصنوعة في هوليوود.

أنا قررت أشوف الفيلم في أقرب فرصة، "فارس الظلام ينهض" فيلم متواضع مع مسحة نازية. بيين شرير الفيلم شخص ضخم سخيف بيرهب سكان مدينة جوثام عشان يعمل انقلاب فاشي بمساعدة جيش مرتزقة أشبه بالجهاديين والمتظاهرين ضد العولمة. رسالة الفيلم خبيثة وعنصرية أساسًا.

أنا فاكر فيلم باتمان اللي أخرجه تيم بيرتون سنة 1989، شخصية البطل الخارق في الفيلم كان فيها لمحة مريض نفسي مهووس بجنون العظمة، وفي الناحية التانية شخصية الجوكر -اللي لعبها جاك نيكلسون- مريض نفسي برضو مهووس بذاته المفصومة. تيم بيرتون بيشرح وجهة نظره في الفيلم بإن "الفيلم والميثولوجيا اللي ورا الشخصيات عبارة عن مصارعة بين مهاويس، خناقه بين اتنين مرضى نفسيين" وأضاف:

الجوكر شخصية عظيمة عشان عنده حرية كاملة. أي شخص بيتعامل بره المجتمع وبيتبصله على انه منبوذ وغريب بيكون عنده حرية إنه يعمل أي حاجة... دي الجوانب المظلمة للحرية. هي فكرة مرعبة، بس في الحقيقة الجنون هو الحرية المطلقة بشكل ما، لأنك بتخرج بره سيطرة قوانين المجتمع".

فيلم نولان السطحي مفيهوش أي حاجة من خفة دم وذكاء تيم بيرتون، وزي ما كتب آندرو كلافان عن ثلاثية نولان إنها "أنشودة مدح في صرامة وشجاعة جورج بوش الأدبية في زمن الإرهاب والحرب". بس التشابه بين ثلاثية نولان وأيديولوجية إدارة بوش عدت حدود شاشة السينما. عدم قدرة جيمس هولمز على التفريق بين الواقع والأفلام بيعكس أداء كارل روف، مهندس التخيل السياسي الأمريكي في سنين حرب بوش المقدسة. لما الصحفي رون سوسكايند دافع عن حق زملاء مهنته في البحث عن الوقائع الملموسة بدراسة قانونية للموقف، رد عليه ساحر الإستراتيجية الجمهورية:

العالم بطل يمشي بالطريقة دي. إحنا دلوقتي امبراطورية، ولما ناخد خطوة، بنخلق الواقع بتاعنا. وفي الوقت اللي انت حاتدرس فيه الواقع ده بالطريقة القانونية زي ما إنت عايز، حناخد خطوة تانية ونخلق واقع جديد، وتقدر تقعد تدرسه بردو، ودي الطريقة اللي الحاجات حتتنظم بيها. إحنا صناع تاريخ... وإنتوا كلكم حتقعدوا تذاكروا اللي إحنا بنعمله.

هل دي أعراض اضطراب عقلي؟ أيوه، بس مش كارل روف الوحيد اللي كده.

تساوي الواقعي مع الافتراضي يعتبر من الخواص الأساسية للرأسمالية السيميائية، رأسمالية الإشارات: نظام الإنتاج المعاصر اللي فيه القيمة الرأسمالية بتتحدد على أساس مدى التحفيز المستمر لتدفق المعلومات. في العالم الذهني، الافتراضي حل محل الواقع.

التجريد النهاردة مش هو الموجود في خريطة أو مراية أو مفهوم ما. الافتراضي مش هو اللي له علاقة بإقليم أو كيان اعتباري أو مادة. التجريد بقى خلق نماذج من الواقع من غير مصدر أو أصل في الحقيقة: واقع أكثر واقعية. ما بقاش لازم إن الإقليم يسبق الخريطة، أو حتى يتعداها. بالتالي الخريطة بتحدد الإقليم - السبق للتصور. الخريطة هي اللي بتأصل الأرض ولو حبينا نحكي القصة تاني دلوقتي، حتكون الأرض هي اللي أطرافها بتتأكل على الخريطة. الواقع -مش الخريطة- هو اللي بقاياه مرمية هنا وهناك، في الصحاري اللي مبقتش تابعة لإمبراطوريات، بقت تبعنا إحنا. صحاري الواقع نفسه. (بودريار)

تعبئة

ما بين أقنعة وأشباح وافتراضات.. القيمة المرجعية للإشارات ضاعت.

وصف جان بودريار الأعراض العامة للافتراضية بناء على مبدأ نهاية فكرة المرجعية في الاقتصاد واللغة.

عملية تخريج القيمة من صورها المادية هي جزء من عملية تجريد أكبر في سياق الاتجاهات العامة للرأسمالية. نظريات ماركس عن القيمة بتعتمد على مبدأ العمالة التجريدية: ساعات العمل هي مصدر القيمة ومقياسها في نفس الوقت. وده معناه إنه من وجهة نظر تسعير الشغل، الفايدة الفعلية من العمل نفسه مش فارقة. اللي فارق هو وقت الشغل مش المحتوى المادي الحقيقي للنشاط الإنتاجي.

في إطار السوق، الحاجات بتتقيم على حسب قابليتها للاستبدال مش بالفايدة اللي بتقدمها، نفس الكلام في إطار اللغة، الكلمات بيتم تداولها وبيتم تقييمها حسب أداءها، اللي هو فعاليتها البراجماتية. إحنا بنقيس القيمة في إطار التواصل بمقياس الفعالية مش بمقياس الصدق. وعلى عكس النظرية التفسيرية (الهرمنيوطيقا) فالبراجماتية بتطرح نفسها كنظام للتواصل المجتمعي، بالذات في زمن توغل الإعلام: لما تدفق المعلومات بيحتل كل المساحة العامة للحوار والتخيل، بيبقى الافتراض أساس تكوين الهلوسة المشتركة اللي بنسميها "العالم".

الإشارات بيتم تداولها في مقابل إشارات، مش في مقابل حاجات حقيقية.

في كتابه الموت والتبادل الرمزي، بيتكلم بودريار عن "تحرير الإشارات"، تحرير الإشارات من وظايفها المرجعية ممكن يتشاف كاتجاه عام للحداثة المتأخرة، وده اتجاه منتشر في الاقتصاد والسياسة مش بس في مجالات الفن والأدب.

ومن المنظور ده ممكن نشوف إن دور الفلوس كمعيار للقيمة قل كتير في مقابل دورها كعنصر للتعبئة الاقتصادية.

كلمة تعبئة جايه أصلا من فكرة الحشد العسكري وتحفيز البنية الاجتماعية للوطن في حالة تعرضه لحرب ضد عدو. ومن أيام القرن الـ19، وبسبب ظهور التجنيد العسكري ونظم النقل الحديثة، بقت الحروب عبارة عن تعبئة عامة للسكان. الحداثة المتأخرة بتنقل المنطق العسكري للتعبئة للمجال الاقتصادي، فيتحول العمل والاستهلاك والتداول لساحة معركة قانونها الوحيد هو التنافس.

كل حياتنا العابرة بيتم تلخيصها في حتمية واحدة: التنافس. كل طاقاتنا المشتركة بتتجند لهدف واحد: الصراع ضد الأخر في سبيل البقاء.

التعبئة بتفتح الطريق للسعار وغالبا بيتحول لذعر - اللي بييجي بعده الخمود/ الكساد.

أعراض شبه دي زي الاستعباد والفقر والاستغلال بتظهر عن طريق فرض نظام مستفحل للديون على البنية المجتمعية. الديون بتمثل سلاح ضد استقلال المجتمع، وبتحول الفلوس لأداة ابتزاز. الشباب الصغير مضطر يستلف من البنك عشان تكاليف دراسته، بما إن الفاشية الليبرالية الجديدة دمرت نظام التعليم الحكومي، والتعليم الخاص غالي بشكل مجحف. ولما الشباب بيتخرج بيضطر يقبل أي وظيفة مؤقتة عشان تسديد الديون، وبيتعرض في سبيل ده لكل أنواع الابتزاز. الفلوس اللي كانت المفروض مقياس للقيمة تم إفسادها وتحولت لأداة للاستعباد. الديون بقت نوع من اللعنات الميتافيزيقية. وجوا الدين الميتافيزيقي ده، في تشابك بين الفلوس واللغة والذنب. الدين ذنب، ولانه ذنب فبيدخل في عالم اللا وعي، العالم اللي فيه الفلوس بتّرجم كل الاشياء لبعضها.

هاف سيجما

أنا عارف ان اللي حقوله ده غلط، بس قرار هولمز، مهما كان عبثي ومؤسف ومضلل، كان أرجل من أغلب المتقوقعين اللي بشوفهم في WoW مستنيين أما يموتوا في اللعبة.

بعد حادثة القتل الجماعي في أورورا بأيام، قريت شوية تعليقات على بلوج هاف سيجما:

في ناس كتير زي هولمز. لما كنت في الجامعة كنت بلعب وورلد اوف ووركرافت WoW وكنت عارف قصص الناس اللي كانوا بيلعبوا في نفس الطائفة على النت معايا، وكتير منهم كانوا زي هولمز وكانوا بيستخدموا اللعبة كمهرب.

في ناس كتير في البلد زي هولمز بس أغلبهم بيتقوقع على نفسه وخلاص. بيلاقوا شغلانة قذرة وبيعيشوا في شقة قذرة وياكلوا أكل قذر. بس على النت بيبقوا ملوك العالم. بيتعاطوا الالعاب والبورن والنشويات الرخيصة. معندكش مركز في الحياة الحقيقية؟ خد مركز في لعبة. مهزق في الحياة الحقيقية؟ اعمل زعيم طايفة في لعبة واتمريس علي اللي بيلعبوا معاك. كان في برنامج تليفزيوني اسمه الطايفة كان بيجيب حياة الناس دي عاملة ازاي وكان متعاطف معاهم لأن البرنامج كان غرضه التسلية.

أنا عارف ان اللي حقوله ده غلط، بس قرار هولمز، مهما كان عبثي ومؤسف ومضلل، كان أرجل من أغلب المتقوقعين اللي بشوفهم في WoW مستنيين أما يموتوا في اللعبة.

"كونكويستادور" كتب في تعليق: "أنا أعرف واحد عايز ينتحر بس الحاجة الوحيدة اللي مانعاه هو إنه عايز يشوف الفيلم الجديد اللي حينزل أوالعدد اللي جاي من القصص المصورة، أو اللعبة اللي نازلة في السوق. مش بهزر".